مفاهيم أساسية، تطبيق مرآة الأماتيراسو للمستوى الثاني: الهوني
لهذا الجزء الهون سأقوم بمعالجة مختلف المفاهيم التي يجب معرفتها من اجل اعتماد المستوى الثاني من القراءة:
أ) الهوني Honne "本音" والتاتوماي Tatemae "建前"
إذا كان التاتوماي تدل على المجتمع الياياني في الظاهر بينما الهوني يشير إلى ما يفكر به الشخص حقا في داخل أعماقه، فمهمة معرفة ما يفكر فيه الشخص حقا أمر صعب جدا كما أن بعض العناصر التي سأذكرها لاحقا مأخوذة من كتب لا علاقة لها بالمانجا لكنها مفيدة في
موضوعنا، الإشكال هو هو وضع رابطة بين المانجا ومؤلفات ذات توجه إجتماعي مثل كتاب Homo japonicus الذي ذكرته سابقا والمجموعات المختلفة من الدراسات الاكاديمية الغربية للمجتمع الياباني، بعض المقالات في النت وكتابات بعض المختصين في مجال المانجا وأيضا مختصون في ثقافة الأوتاكو مثال كتاب Otaku, les enfants de la post modernité لكاتبه إيتيان بارال ومؤلفات هيروكي أزوما الذي ذكرته سابقا.
الأفكار التي سآتي بها ربما ستجلب لي بعض الانتقاد لأن المنهج والمقاربة التاريخية التأملية أسهل من المقاربة التحليلية لكن أفضل أن أقدم بعض النقاط التي فكرت بها مع تحديد اني سأركز على الشونين ثم الشوجو أما السينين فأمره صعب بسبب عدم سهولة ضبطه لعدم توفر قواعد مقررة سلفا مستمرة وباقية.
وبالعودة إلى التاتوماي والهوني، هل نجد هذين المفهومين في المانجا؟ أقول انه من الصعب وضع عموميات مبسطة من اجل الإجابة عن هذا السؤال، لكن يمكن القول أن التاتوماي والهوني معالجان في المانجا بأشكال مختلفة حسب ما ندرسه شونين أو شوجو أو سينين وتنشأ هذه الحالة حسب طبيعة ما نعرضه، فالشوجو يعالج العالم النفسي والعلاقة مع الغير ويؤدي أحيانا إلى علاقة قوية بين الهوني والتاتوماي، فهنا نراها من خلال التأثيرات الصوتية مثلا صوت ضربات القلب التي تسمح لنا بفهم ما تشعر به البطلة حتى ولو كان الرسم لا يعبر بالضرورة على الشيء نفسه، اما الشخصية الذكورية فعلى العكس من ذلك فمن الصعب معرفة ما تفكر به لا في الشونين ولا في الشوجو، هكذا في مانجا Marmelade Boy فإن القارئ يعرف كل شيء بخصوص تفكير ميكي لكنه يعرف القليل جدا مما يفكر به يوو، وبما أنه في جسد البطلة فإنه يخمن ما في عقل يوو من خلال الحركات والإشارات لكننا لا نعرفه بشكل دقيق، فالشخصيات الذكرية في الشوجو في اغلب الأحيان تكون بعيدة وبمظهر بارد ومن النادر أن يظهر ما يفكر به أو يشعر به في داخله.
هل يمكنني القول أن أصل الأمر ولو لم يكن متعمدا هو استنساخ لصورة الأب حسب نظرة المؤلفات النساء كشخصية بعيدة وغامضة، تثير الاعجاب لكن لا يمكن الغوص في اعماقها وفي غالب الأحيان بارد المشاعر وبعيد عن الآخرين وهدفه الوحيد هو حماية من يحبهم؟
أما في الشونين فإن المعطيات مختلفة تماما فلدينا في معظم الأحيان بطل ساذج وأحيانا غبي متهور ويتقدم دائما إلى الامام دون تفكير وعلى عكس الهوني فإنه يكشف كل ما يفكر أو يشعر به، فإذا أخذنا مثلا شخصية ناروتو فإن مظهره البشوش يخفي في الواقع وحدة كبيرة في اعماقه وأفكار خصوم البطل في اغلب الأحيان لا تستغل سوى بشكل قليل لأن الأصل في القصة هي الإثارة والقتالات.
أما بخصوص تقديم عالم البطل فهناك تقنيتان لفعل ذلك هما الذكريات "فلاشباك" والتصورات الإفتراضية التي تدور في داخله، هكذا القارئ مدعو للغوص في ماضي الشخصيات كطفولتهم أو شباباهم والتي تكون متعلقة بحادثة معينة بشكل خاص وهذا تكون لدى الشخصيات الأنثوية والمذكرة دون استثناء، فعندما تقاتل الشخصية دون فرق في جنسها أو نتبعها في عالم إفتراضي مواز يمثل داخله وأفكاره العميقة وفي أغلب الأحيان تكون من اجل مواجهة جانبه الشرير والمظلم، كمثال في بليش يقدم لنا عالما مليء بالمباني لكنه فارغ أين يقوم إيتشيغو بمقاتلة نفسه، و في ناروتو أين نجد ناروتو يتحدث من الكيوبي الذي بداخله، وعدا هاتين التقنيتين فإن أفكار البطل الذكر تعالج باقتضاب وإيجاز وفي غالب الأوقات يكون ذلك اثناء القتال أو الحركة.
وبعد قراءتي العديد من المانجات وإلقاء نظرة على عدد من المقابلات الصحفية لمانجاكا من مختلف الأنواع توصلت أن المانجاكا يقومون بذلك الأمر دون قصد منهم وربما أغلبهم لا يفكرون بالأمر حين القيام برسم المانجا، في حوار مع المانجاكا أتسوشي أوهكوبو مؤلف مانجا سول إيتر وضح أنه كان يواجه صعوبات كبيرة في المدرسة لكنه كان يقوم دائما بكل ما يستطيعه من اجل تجاوزها والنجاح، وشخصيته الثانوية في المانجا بلاك ستار هو شاب مقدام دائما في أقصى جدوده حتى ولو كانت نقاطه كارثية، ورغم أنه كان سيئا جدا في الدراسة مثل الكاتب إلا أنه يخفي مقدرة كبيرة داخله وحسب ما أعتقد هذا قياسا من الكاتب على حياته الشخصية وقدرته على الرسم، المانجاكا أوضح ايضا أنه كان يشعر بقربه من باتي والتي هي شخصية غريبة الاطوار حالمة والتي لا تخاف من أي شيء تقريبا، لكن المانجاكا دائما غامضون بخصوص العلاقة التي تربطهم مع شخصياتهم لذا صعب أن نجد تفصيل أكبر.
من أجل إنهاء هذا الجزء عن الهوني سأستشهد بما أسمته موريال جوليفي في كتابها الذي ذكرته سابقا Homo japonicus الكوراي كو "kurai ko" الأطفال المظلمون و الأكاروي "akarui" الأطفال المضيئون، فهي تذكر أن المجتمع الياباني ينتظر من الأطفال أن يكونوا رزناء ورياضيون وجذابون وخدومون وفعالون وعلى الخصوص أين يظهروا دائما سعداء بابتسامة مرسومة على الوجه رغم كل ما يعانونه أو يشعرون به من آلام داخلية، هؤلاء الأطفال أكاروي يضادون الأطفال المظلمون الكوراي كو، في أغلب الأوقات يكونون مثار سخرية الآخرين وضحايا مقالبهم وهذا لا يتوقف على أقرانهم بل يتأتى من اوليائهم وأساتذتهم و معلميهم الذين ينظمون بشكل غير مباشر إلى مفهوم الإيجيمي الذي ذكرته سابقا والذي سأشرحه أكثر لاحقا.
لكن هل نجد هذا الأمر في المانجا؟ بالتأكيد هو موجود، فإن كان من الصعب إيجاد أمثلة لبعض المفاهيم فإن هذا موجود بكثرة في المانجا ونأخذ أشهر مثال اعتقد الجميع يعرفه وهو شخصية ناروتو الذي طيلة طفولته يظهر انه سعيدا على عكس ما يدور في داخله الحزن والغضب وأيضا بطلة مانجا حياة "Life" وأستطيع أن اذكر العشرات بل المئات من الأمثلة حول هذا الموضوع لأنه موجود في أغلب المانجات خاصة الشونين وأبطاله، والعمل الأكثر دلالة حول هذا المفهوم هو بدون شك كينشن مع شخصية سوجيرو، هذا الفتى العبقري في القتال بالسيف عانى بشكل كبير لدرجة أنه أصبح عاجزا عن التعبير عن مشاعره بشكل آخر عن إظهار إبتسامة خفيفة في وجهه، وهكذا مهما كانت الوضعية فإن الفتى سوجيرو يظهر دائما ابتسامة مشرقة حتى لو كان حزينا جدا، ربما تتساءلون لماذا الابتسامة؟ ببساطة لأنها كانت تهدئ والديه الذين كانا يضربانه ثم يستسلمان أمام ابتسامته، ومن أعمال الشوجو أذكر كاري كانو Kare Kanon (هي وهو) التي تبدو مثيرة بالنسبة لي إذ أن شخصية يوكينو تقوم بلعب دور حقيقي لما تكون في المدرسة التي تظهر أنها فتاة مثالية حسب المعنى الياباني للكلمة بينما في الواقع هي مهووسة ومدللة جدا ومحدودة التفكير وهو عكس الذي تظهره تماما والذي يجعلها محبوبة من طرف الجميع.
ومن أجل الذهاب بعيدا سأقتبس كلام دومينيك ريفولي في كتابه ضحك اليابان إذ يقول: الضحك ليس دائما شيء طريف وممتع خاصة لما يكون الشخص حزينا، في القرن السادس عشر لما وصل أول الأجانب إلى أرض الشمس المشرقة كانت دهشتهم كبيرة لما وجدوا الإبتسامات الجذابة واللطيفة لليابانيين مهما كانت الظروف، لكن كيف لا يفهم الأمر على أنه ليس سخرية بل هي من الأدب واللباقة، وبدون شك حتى اليوم مازال أكثر تصرف محير بالنسبة للأجانب ولم يستطيعوا التعود عليه هو الضحك أثناء الحزن، الضحك في الغضب، هل هي ضحكة صفراء؟
بعدها الكاتب ينقل كلمات واحد من أوائل الذين زاروا اليابان وهو لوي فروا سنة 1585 الذي كتب قائلا: عندنا من الطبيعي أن نقبل بعضنا البعض عند الوداع أو عندما يأتي أحد من مكان بعيد، لكن اليابانيين لا يعرفون هذا التقليد ويضحكون لما يرون نقوم بذلك، وعندنا الضحكات المتكلفة المصطنعة هي مظهر من مظاهر النفاق والرياء أما في اليابان فهي رمز للباقة وحسن التنظيم والإستعداد، في أوربا نحن نحب الوضوح في الكلام ونهرب من الكلام الذي فيه غموض ومبهم اما في اليابان فإن هذه تنتمي إلى أفضل مستوى من اللغة ولديها مكانة مهمة عندهم، عندنا المجاملات تكون بتعابير صافية وجدية أما اليابانيون فيقومون بها بلا ريب عن طريق العديد من الابتسامات المصطنعة. الكتاب أيضا يذكر محورا مهما ومثيرا أيضا يرجع بنا للأمثلة السابقة الذكر وهو أهمية القناع في كل تاريخ الفن الياباني "النو والباغاكو...".
في الجزء التاريخي اعتقد اني ذكرت العلاقة بين الفنون الشعبية المسرحية والطباعة، والمانجا تعتمد هي أيضا على بعض الشخصيات فكرة الأقنعة مثلا غورو فوجيتا يخفي تحت وجهه المزيف سايتو هاجيمي المرعب ولدينا كيو يخفي كيوشيرو وهناك الكثير غيرهما، ومفهوم الشر والخير مختلف كثيرا عن الذي نعرفه أو مشهور في الغرب أيضا لكن الجانب الثنائي الرأس لدى بعض الشخصيات يمكن التطرق إليه من هذا الجانب.
وانهي هذا الجزء بمقتطع من كلام أندري بيليسور الذي صدر في كتابه رحلة إلى اليابان سنة 1898 إذ يقول: البوذية تجهل الإفاضة هذه النشوة المتهورة والفاتنة للقلب الذي يفتح طريقا ويندفع نحو القلوب الأخرى، كتابه يقدم السكوت، في اليابان الألم لا يصرخ، الحب لا يصارح به، الحزن يبتسم والزهد يصمت، العزلة الواضحة للأرواح التي زارتني في الأراضي اليابانية وقد فهمتها ما إن أصبحت هذه الأرواح لا تشكل سوى روحا واحدة، ورغم أن اليابانيون يحبون الكلام والحديث الطويل والمديح الذي لا ينتهي إلا انهم يبقون متحفظون على كل ما يمس باطنهم العميق، إنهم ممتازون في الكلام من اجل الكلام فقط لكن ما إن يأتي وقت البوح فإنهم سرعان ما يكبحون الاعترافات التي لا فائدة منها ويعودون إلى الكلام المبهم الذي يحرصون على جعله مسموعا.
هذا مقطع شبه واقعي عن شخصية الياباني وهذا شيء انتبهت له شخصيا أثناء مشاهدتي للعديد من الحوارات مع مانجاكا أو مخرجي انمي أو حتى شخصيات يابانية أخرى لكن لكل قاعدة استثناء لكن في العموم الأمر صحيح.
سوف أذكر بسرعة الأكاروي إذ انه قليل الوجود في المانجا على عكس الكوراي كو فإذا كنت استطيع ذكر العديد من الشخصيات كمثال للأخيرة فإني على العكس لا أستطيع أن اذكر الكثير من النوع الأول ، وهناك شخصيات تبدأ في المانجا كأكاروي لكنها تصبح أوضح مع مرور الوقت، الأمثلة التي تأتيني حاليا هي شخصية كرونا في سول إيتر التي كانت منغلقة تماما والتي لم تكن تظهر أي إبتسامة على وجهها وأيضا شخصية ساسكي وغارا في مانجا ناروتو، هناك أيضا طريقة لتمثيل الصوت الداخلي للشخصية التي ترى نفسها في مكان مقفر أو جزيرة خالية مسجونة في دائرة مغلقة، هذه الصورة أضنها تمثل بشكل جيد منظر الإقصاء الذي يتعرض له الأشخاص الأكاروي من المجتمع.
ب) منطق البطولة، مواجهة الأقوى والشونين.
في خصوص الشونين فإن مرحلة البطولة هو أمر يتكرر بشكل كبير وشبه دائم ويمكن أن نجده في المانجات القديمة و الحديثة مثل ناروتو ويويو هاكوشو وفلام أوف ريكا ودراغون بال وريبورن وبشكل صغير في مانجا القناص والوان بيس وفي معظم مانجات الشونين الرياضية، في اليابان فكون العلاقة بين العمل والجمهور هي مباشرة فلا عجب أن تكون المانجا هي مرآة لقرائها، وهذا التحليل أصبح ممكنا بسبب أن المجتمع الياباني أصبح فريسة لنوع من اللاشخصية والنظرة العامة للأمور، هذا الغياب للميزات الفردية تسمح حسب وجهة نظري من تيسير التحليل للظاهرة مع بعض التحفظ، فاليابان كونها بلدا له نظام طبقي صارم للغاية فإن الأطفال يدفعون لزيادة ساعات العمل والدروس الإضافية والتحضيرية من أجل الحصول على الشهادة الجامعية التي تسمح لهم لاحقا بالولوج إلى عالم المؤسسات وأرقاها وهذه المؤسسات تنتقي عمالها في مسابقات التوظيف حسب الجامعات المتخرج منها لكن الأمور حسب ما وجدت أصبحت تتغير بمنع وضع إسم الجامعات في السير الذاتية لمنح فرص متساوية لجميع الشباب الياباني للحصول على فرصة للعمل، ومن هنا فإنه منذ الصغر الطفل الياباني يُدفع لسباق الحصول على أعلى العلامات وهذا المنطق نراه في المانجا في البطولة عن طريق محاولة البطل الوصول إلى القمة هي دفع القارئ على عدم الاستسلام أبدا أمام الصعاب.
هذا سيقودنا إلى فكرتين يمكن جمعهما في موضوع واحد: المانجا هي أفيون الشباب الياباني من الجنسين سواء بالغين أو مراهقين أو أطفال.
الإنقسام شونين وشوجو هما دليلين للسلوك سواء للبالغين أو الأطفال في عالم محبط، إذ أن الشونين في أغلب الأحيان يقول للقراء أن يتحملوا المشاق لأن بعد المعاناة والتعب نجد الشكر والعرفان والراحة، فالقراء الذين تم تعنيفهم من رؤسائهم خمس دقائق قبل قراءتهم الشونين جامب مثلبا أو عندما يتعلق الأمر بطفل مرهق من إيقاع الدورس الكثيفة سيجدون بعض الرضا بقولهم أن البطل دائما يكون ضعيفا في البداية لكنه يتمكن من الإطاحة بأعتى الوحوش على الأرض بفضل الشجاعة والمثابرة والتدريب دون كلل أو ملل، والبطولة في المانجا تسمح بتمثيل بشكل ساحر هذا الجهد المتكرر للبطل.
وفي هذا الصدد هناك نص في "اليابان، جنة الاطفال، مهرجان الدمى " للكاتب Amédée Baillot de Guerville الصادرسنة 1891 بدا لي ممتعا قليلا لأنه بعيد جدا عن الذي ذكرته من حياة الاطفال بل معاكس لما قلته إذ نجد فيه وصفا للأطفال كالآتي: "سمان ومليئون بالدهون مع أعين كبيرة سوداء مندهشة ومبتسمة الرؤوس محلوقة مع فتيلة شعر صغيرة ، إنهم فاتنون وجميلون هؤلاء المواليد اليابانيون غذ أنهم يبدون كدمى قد تم تكسيتها بملابس جميلة من أجل حفل تنكري، إنهم الأطفال الأكثر سعادة في العالم، مولودون في بلد يمكن القول أن الغضب أمر غير معروف أين اللطف والبشاشة والمودة وحسن التصرف هم مع الشجاعة الصفات الأكثر إستحسانا، إنهم لا يالقون أبدا أي عتاب ولا يتلقون أي عقاب أو يتعرضون للضرب فوالديهم لن يسبوهم أبدا، وهم أيضا لديهم مزاج سهل وبسيط فهم ليسوا بكائين ولا أشرار ولا سريعي الغضب ولا يعضون ولا يخدشون ولا يركلون كما أن هذه التصرفات لا تخطر على بالهم ابدا إنهم صبورون إنهم صورة للحكمة والهدوء." يبدو حسب رأيي أن الكاتب عاش في منزل مثالي جدا.
في موضوع البطولة هذا نجد مبدأ آخر هو أيضا متعلق بالإيجيمي، المبدأ هو أن الضعاف دائما على خطأ، لإن الخاسر يفكر دائما أنه السبب فيما وصل إليه ولا يلقي اللوم على أساتذته أو زملائه وعليه العمل ليقبل الأخرون به وهذا لا يتم سمى بمزيد من العمل وتجاوز حدود الذات.
إذا هناك نوع من الحط من قيمة الخاسرين ومن ينظر له بأكثر دونية هو من لا يقوم بأي جهد من أجل مواجهة ظروفه ومن الجانب الآخر الرفع ومكافأة البطولة وهم ما يمكن تعريف حاملها بأنه إنسان بشجاعة كبيرة، وبخصوص الحط من قيمة الضعفاء فهناك الكثير من المانجات الدالة على المهمشين من النظام وكما قال Jolivet في اليابان لا يوجد تقليد للمساعدة الاجتماعية، في الماضي كانت الشركات أو الإمبراطور بالمعنى العام من كانوا يقومون بهذا الدور لكن مع مرور الزمن وتطور المجتمع فهم المتشردون ومن هم في حالتهم أنهم لا يستطيعون الاعتماد سوى على أنفسهم خاصة أن أغلب المجتمع مع مسألة إبعادهم وإخراجهم من المدن ووصفوهم بالكوزومونو "Kuzumono" والتي تعنى حثالة المجتمع و الجاماكوساي"Jamakusai " والتي تعني المزعجون، فاليابانيون ليس لهم شفقة نحو المتشردين والذين ينظرون إليهم ويعتبرونهم كسالى رغم أنه هؤلاء لا يطلبون سوى إيجاد عمل لهم هم أيضا.
وفي جانب أصغر فإن المانجاكا لا يترددون في معاقبة أولئك الذين لا يتدربون مثل خسارة فريق هيوتي ضد فودوميني في مانجا أمير التنس ونفس الأمر لأغلب خصوم نوريتاكا، فالفوز يكون آليا في جانب من يعمل كثيرا عكس من يعتمد على خبراته المكتسبة أو الموهبة التي تسمح للشخص بالفوز في المرة الأولى لكنه ينهزم في المراحل التالي وهذا أمر مشترك في أغلب مانجات الشونين، لكن كما يقال فلكل قاعدة إستثناء رغم قلتها ونأخذ على سبيل المثال مانجا غانتز التي أخذت هذا المفهوم بالعكس إذ أن الكاتب يضحي بدون رحمة بأبطال القصة الذين يحاربون بشق الأنفس للبقاء على قيد الحياة.
هذا الأمر يمكنني من الإنتقال إلى النزعة لتعظيم وتمجيد الأبطال، فإذا كان الأمريكيون منعوا كل ما يغري أو يجذب إلى الفنون القتالية في اليابان بعد الحرب العالمية الثانية فإن الأمر لم يكن بلا سبب بل كانت له غاية مهمة، ولتوضيح كلامي سأستشهد بمقطع من نص تحت عنوان "الجيش الوطني، الدليل عبر الفوز، بأس وقوة الروح العسكرية، ثقافة البطل" الصادر سنة 1881 للكاتب P. de Lapeyrière، بالتأكيد الأمور اليوم اختلفت كثيرا عن زمن الحرب العالمية الثانية وما بعدها لكن هذا المقطع يعطي لمحة جيدة عن تلك التقاليد كما أني أحب قراءة النصوص القديمة التي تكون مثيرة للاهتمام، على العموم النص يقول: " تاريخ اليابان ما هو إلى سلسلة طويلة من الحروب سواء ضد قوى خارجية أو في حروب أهلية، من هنا نوع من التدريب المستمر جعل من الشعب الياباني شعبا مقداما ومقاتلون مثاليون، فالقتال بالنسبة لليابانيين أكثر من عادة بل هي حاجة وضرورة، فقد كانوا في كل وقت ضليعين في كل التمارين الجسدية وكان من الفخر لديهم إثبات مرونتهم وبراعتهم وقوتهم البدنية وشجاعتهم، الأيقونات اليابانية والرسومات واللوحات الفنية تشهد على هذه الأذواق والميل لكل ما هو متعلق بالقتال والمعارك، والجميع قد رأى تلك الرسومات المخيفة والمنفرة تمثل جنودا يابانيين مسلحون حتى الأذقان متقلدون عدة سيوف ويحملون رغم ذلك على أسنة رماحهم رؤوس أعدائهم المهزومين، أيضا المسرح ذاته نجده في اليابان مخصص للتمثيل العسكري، فعلى عكس الموجود لدينا أين التوجه هو نحو التسلية والراحة والبحث عن الأحاسيس العاطفية والممتعة فإن اليابانيين يفضلون التصفيق على القصص الدرامية التي تمثل شجاعة أبطالهم ومقاتليهم، فالمسرح نتيجة لذلك ساهم في المحافظة بشكل مستمر وثابت على الفخر الوطني في داخلهم وكذا الروح المقاتلين والرغبة في القيام هم أيضا بما فعله أسلافهم في الماضي، وبدون شك هذا المسرح الوطني الخالص لا يمنع أن اليابان لها أيضا رصيد من الكوميديا وفرق الغايشا، لكن الشعب الياباني الحقيقي يفضل بشكل أكبر التمثيليات التي يسمع فيها قعقعة السيوف العنيفة لما تتلاقى مع صرخات وزمجرات المحاربين، هذا هو العرض الوحيد الذي يلامس غرائزهم ويتملق أذواقهم، وأكرر في الأخير أن المزاج الياباني هو عسكري و حربي وقتالي بشكل كبير".
للعلم أنا واع أن بعض المقتطفات هي أحيان تصوير كاريكاتيري نوعا ما وغير دقيقة نظرا لتاريخيها لكن بالموازاة بدا لي أو وضعها مهم في الدراسة هذه، ففي هذه الحالة فإن هذه هي وصف لأغلب ما نجده في قتالات أبطال الشونين ولن اذكرهم إذ أن أي شخص قرأ الدراغون بال والسانت سيا وناروتو والوان بيس وغيرها سيكون حسب رأيي لديه قابلية كبيرة لتلقي هذه المقتطف كما انه من الصعب جدا الإعتراض على هذه القيم البطولية والبسالة والشجاعة لدى الأبطال.
هناك مذكرة قام بها رومان شابوي Romain Chappuis تحت إسم "الهوية الوطنية اليابانية عبر إقتباسات الروايات الأوربية في الثقافة اليابانية" تشير هي أيضا إلى المعايير الموجودة في الشونين أمثال الاجتهاد والمثابرة والبطولة وغيرها، وعرضها بشكل مثير للاهتمام إذ يقول: " تساوي الفرص يؤدي إلى المغالاة في الجهد المبذول المتفق عليه مقارنة بالنتيجة المتحصل عليها، فدرجة التزام ومشاركة الفرد تحدد قيمته أكثر من فعالية عمله ونتائجه، "شرف الفشل" هو مميزة لمجتمع أين نجد فيه الإنسحاب أو التنازل أو الاستسلام أشياء منبوذة تماما، ولا ينظر أبدا بازدراء لمحنة الخاسر الذي يرى جهوده لم تأتي بالنتيجة، في مانجا السانت سيا نجد فكرة المساواة قد تم عرضها وإيرادها في القصة عن طريق الكوسمو، إذا العالم الذي تخيله ماسامي كورومادا متميز بطبقية متينة وقوية يعبر عنها بمعدن الدروع من الأغلى قيمة إلى الأدنى وهم الذهب والفضة والبرونز، فالفرسان الأقوى بالطبع هم التي مهامهم ومسؤولياتهم هي الأهم، غير أن أغلب فرسان الذهب بقوا في خدمة البوب الذي أكثر من الظلم والبغي، إذا هم على خطأ ويمارسون سلطتهم بشكل سيء، وعلى عكسهم فإن فرسان البرونز الذين يقعون في أسفل الهرم وهم عبارة عن مراهقين قد فهموا الاختلال والارتباك الذي يهيمن على المعبد فيقومون بحماية أثينا بعزيمة وشجاعة كبيرة، فأصحاب السلطة الشرعية (البالغين) تم تمثيلهم على خطأ والأشخاص الأصغر سنا والأكثر نقاء وصفاء يقومون تقدم لهم الطريق الذي عليهم إتباعه من اجل إعادة النظام في المجتمع وهو ما يقودنا إلى التشويه الذي ضرب سمعة السلطة والحكومة السياسية والعسكرية بعد الهزيمة، لعنصر الذي سيسمح لهم بهزيمة فرسان هم اكثر قوة وأفضل مرتبة منهم في هرم السلطة هو الكوسمو، وهو الشيء المشترك الذي يمتلكه جميع الفرسان لكن برفع الكوسمو إلى ذروته بعد تضحيات وجهد هائلين فإنهم يبلغون مستوى خصومهم، فإذا لم يمت الخصم فإنه يقتنع بالتضحية التي يقوم بها فرسان البرونز في سبيل هدفهم ويصبح في جانبهم.
مسار فرسان البرونز في السلسلة يمثل لنا إستعارة لمرور اليابان من المجتمع النخبوي لما قبل الحرب العالمية إلى مجتمع متساوي أين يمكن لأي شخص النجاح عن طريق مجهوداته، وبالتالي فإن تمجيد المجهود يدرج إذا في منطق الرضوخ العاطفي للفرد أمام المجموعة في إطار علاقة غير متماثلة أين ترى القادم الجديد الطامح للدخول إلى المجتمع مظهرا لقدراته وتفانيه عن طريق الإفراط في الجهد الذي يبذله من أجل الحصول على الإهتمام والرعاية والعطف من الشخص الذي يوجد في موقع القوة والسلطة، وبالتالي التبادل الذي ينشأ يشير إلى النجاح في طقوس المرور إلى مرحلة البلوغ وانصهار العضو في الشبكة العاطفية الوجدانية المؤثرة، الأولاد هم في العادة متهورون ومتحمسون وطموحون لدرجة فقدان الحذر والحيطة أحيانا وبالتالي عليهم تعلم الحكمة والتعقل، وعلى النقيض نجد الفتيات أكثر خوفا ولكنهن اكثر انفتاحا واهتماما بالآخرين" إنتهى كلام شابوي.
ج) بعض المفاهيم الجمالية:
1- الإيكي Iki والوابي سابي Wabi Sabi
سأستغل هذا التقرير من أجل ذكر بعض المفاهيم الجمالية، بداية بمفهوم الإيكي "Iki " "いき" ويكتب أيضا "粋" وهو مفهوم جمالي ياباني معقد يعرف بـ "التكلف والتصنع الطبيعي"، هذا المفهوم نشأ في حقبة إيدو في وسط طبقة الشونين التي تحوي التجار، وإذا كانت بقية المفاهيم الجمالية مثل الوابي سابي قد فقدت أغلب تأثيرها في اليابان الحديثة فإن لفظ إيكي يبقى متداولا بشكل يومي في الحديث والإعلام، وفي هذا القبول المعاصر فإن الإيكي يدنو من المفهوم الغربي cool أو classe رغم أنه يختلف عنهما.
وعلى العكس من ذلك فإن الوابي سابي (侘寂) يربط مبدأين:
الوابي التي تعني الوحدة والبساطة والحزن والطبيعة والكآبة والتباين وغيرها من المعاني.
السابي وهو التغير عبر الزمن، ضعف الأشياء مع الشيخوخة، معتبرا كعيار إيجابي فإن السابي هو مفهوم غريب جدا بالنسبة للفكر الغربي فهو لا يفهم حب الإشياء القديمة وللأشياء التي راها الغرب قذرة ودنسة.
تانيزاكي Tanizaki هو من طور الوابي سابي في مدح الظل أين يميل إلى إظهار خصوصية الشعب الياباني ويميل إلى إعطاء قامة أكبر لجانب الظل والنقص وعدم الكمال على ضوء الأشياء القديمة والجديدة والمثالية، ونجد موراكامي هاروكي Murakami Haruki هو الذي يتردد غالبا كمثال للإيكي، ويبدو لي أنه علي التطرق لهذه المعارضات والمضادات الجمالية لأنهما سيجمعان قليلا تلك المضادات بين الشونين والشوجو.
الشونين يميل نحو الرسومات الخامة الخشنة والمبسطة في اغلب الأحيان ويمكن القول أن مانجا سول إيتر هي أفضل مثال حديث للوابي سابي فحب عدم المثالية والنقص في الكائن البشري للكاتب هي أحدى ركائز عمله وهو أمر وضحه في العديد من المقابلات، وعلى العكس من ذلك نجد الشوجو خاصة لدى كلامب وبالخصوص عملهم XXX holic يمثل بشكل اكثر الإيكي لكني اعتقد أن أفضل ممثلة للإيكي هي آي يازاوا صاحبة مانجا نانا وبنيت قناعتي هذه على حسب ما يوجد في "هيكلة الإيكي" للكاتب كوكي شوزو، أجساد رقيقة ونحيفة ووجوه طويلة وشعر فوضوي وخصلات مبعثرة بعد الليل والشعر الأسود، روح الساموراي "سواك في فمه لكن بطنه فارغ" ومثل بداية BLAST إنجذاب بين شخصين من الجنسين المتضادين والإستسلام وترك كل القيود مثل نانا، وفي نفس السياق الحب الكبير بين ران ونانا توضح بشكل كبير هذه الصورة الرمزية، الكاتب كوكي أيضا استدل ببعض أبيات قصائد الشاعر بودلير من أجل توضيح الإيكي مثل قوله "ذوق العدم" و"الحب ليس له مذاق"، شين المتأنقة الوقحة هي أيضا مثيرة للاهتمام من هذا الجانب.
في المجموع نانا هي بدون شك العمل الذي يقدم لنا أفضل مثال لتعريف كوكي: "الإيكي هو نوع من الإغواء (الجاذبية) مليء باللطف والأدب (الإستكانة والاستسلام) والتبجح (البسالة والشجاعة)".
وفي الواقع فإن الإيكي يربط غالبا بحياة الغايشا في عصر الأيدو وحتى إن كانت أحداث قصة نانا بعيدة بمئات السيني عن عصر إيدو إلا أن العلاقات الغرامية في نانا ليست كذلك إذ أنها تذكرنا بالحب والشغف الذي يمر من الخيال إلى زوال الوهم والخيبة، إلى الاستسلام والإستكانة للغايشا القديمة.
2- أمايي "甘え" /غيري "義理" Amae/Giri حيث عمق الصداقة وانتصار المجموعة.
من أجل توضيح هذه المسألة لم أجد أفضل من نص كتب سنة 1905 "ضعف الخيال والأنا الشخصي: الياباني مجرد منفذ" في كتاب "رحلة إلى اليابان الحديثة" للصحفي ليدوفيك نودو إذ يقول: "روح اليابان في بداية القرن العشرين هي نفي الطموح الأناني، هي فوز المجهودات المتضامنة والإرادات المشتركة، الصفات التي يجب على تعقيدات المنظمات المعاصرة أن تهتم بها وأن تجعلها مفيدة أكثر من عبقرية شخص واحد".
هذه الظاهرة تحمل إسم أمايي وهو تصور أخترعه تاكيو دوي Takeo Doi في مؤلفه "تشريح التبعية" الصادر سنة 1973، تعريفه الدقيق هو كالآتي: "الاستفادة من حب أو صداقة شخص ما".
وتم جمع هذا المفهوم مع مفهوم آخر وهو الغيري الذي يقود إلى فعل ما هو متوقع منا دائما والخوف الدائم من جعل الآخرين تعساء، وعلى نفس شاكلة المخطط الدائري الذي وضعته سابقا فإن كل هذه المفاهيم تتشابك فيما بينها بشكل مترابط.
كل هذا سيقودنا إلى وضع مخطط متعلق بالشونين والشوجو متفق عليه نسبيا أين كل شخصية تقوم بدور محدد مسبقا فالبطل أو البطلة يؤديان الدور المتوقع منهما خاصة في نوع الشوجو وأين يتجاوزان حد الذات بفضل الآخرين ويؤمنون بقوة الجهود المشتركة بشكل كبير بمعنى أن الفرد يتجاوز حدوده لكن بفضل الآخرين.
كما أنه ليس من النادر رؤية شخصيات تضحي من أجل الآخرين وبشكل أدق من أجل هدف أسمى وفي أغلب الأحيان هي تكون الجيل التالي أو المستقبلي وهذا نراه في العديد من المانجات أمثال سانت سيا والهوكوتو نو كن وناروتو وكينيشي وغيرها الكثير، هذه الحماية للأجيال تتبع مفهوم المنزل المعروف باليابانية "家" ولدى الغرب بمفهوم "ie" وهو مفهوم يربط العائلة مع مفهوم اعم ودائم، هذه الخلية العائلية تضم أيضا الأجيال السابقة والحاضرة والأجيال المستقبلية، هذه الخلية هي أهم من الفرد على هذا النحو وهذا ما يبرر أن أبطال المانجا غالبا ما يقاتلون لحماية الأجيال المستقبلية والأجيال المستقبلية هي أيضا تقاتل من أجل التي تليها لكن أيضا من أجل السير على نفس مسار الجيل الذي سبقها، فقط بضعة مانجات تخرج عن هذه القاعدة مثل مذكرة الموت وهو الأمر الذي يجعلها أكثر جاذبية وقيمة لكن هذا لا يجعل البقية أقل قيمة.
أنا استمتع بمراقبة التغيرات التي تحدث على هذا القانون حتى ولو كان البطل دائما بحاجة لزيادة قوته والرفع منها مع مواجهة خصوم وعقبات أقوى فأقوى ويجد دائما الطريقة لتجاوز الذات من اجل أصدقائه، هذه التركيبة من العناصر قد تؤدي إلى خسارة الشونين ونهايته، فإذا قام كل واحد بذكر التكنولوجيات الحديثة كما فعلت سابقا قد يأتي يوم نطرح فيه السؤال : هل هذه القيم تستجيب حقا لتطلعات الشباب الياباني الجديد وهل يمكن للمانجا أن تتكيف مع هذه التوقعات الجديدة؟ لكن أذكر ان تطور المانجا بالموازاة مع التكنولوجات الجديدة تعد التطور الأكثر إثارة للإهتمام والدراسة في المستقبل.
3 - الإيجيمي "苛め/虐め" Ijime: المسمار الذي يخرج رأس يجب ضربه!

لشرح الإيجي نأخذ تلميذا من قسم ونجعله كبش فداء، هذا التلميذ سيتم إقصائه شيئا فشيئا من المجموعة ويصبح هدف إهانات وترهيب وعنف التلاميذ الآخرين، وبشكل آلي بقية التلاميذ يصبح لديهم خوف من أن يتم نبذهم هم أيضا فيقومون بربط علاقات مع بقية القسم.
هذا الموضوع قد تم التعرض له كثرا في المانجا ويتم الإستشهاد غالبا بكاتب مانجا Vitamin أو Life سوينبو كايكو Suenobo Keiko والذي قال انه كان ضحية لهذه الظاهرة في صغره، وقدم هذه الظاهرة في أعماله بشكل مخيف ومزعج للبعض بسبب قساوة التلاميذ الذين صورهم بشكل مخيف وبدم بارد أمام تصرفاتهم (ربما قد أضع تقرير حول Life مستقبلا)، وهناك مانجات أخرى مثل GTO أو Hanayori Dango أو Vitamine و L'étrange Petite Tatari و Hana Yori Dango و Imbéciles heureux ! و Psychometrer Eiji و Magie intérieure و Ki-itchi !! و La Dame de la Chambre Close و Tout sauf un ange !! و Say I love you و Akuma to love song و Gakuen ouji و مؤخرا مانجا قسم الإغتيال Ansatsu Kyōshitsu مع حالة القسم المهمش كليا هذه المانجات تذكر هذا الظاهرة المشكلة في المجتمع الياباني.
كما يجب أن أذكر أن الظاهرة لا تتعلق فقط بعالم المراهقة والطفولة بل هي تمس عالم البالغين أيضا كما أظهره كتاب "stupeur et tremblement" للكاتبة أميلي نوثومب، فظاهرة الإيجيمي يمكنها أن تظهر في اليابان مادام هناك وجود للمجموعات، الكاتب إيتيان بارال في كتابه "الأوتاكو الأبناء الإفتراضيون" يظهر إستطلاع للرأي نشره Recruit وتم من خلال سؤال 990 طالب ثانوية في القسم النهائي في مارس 1995 فكانت النتائج أن 53% من المستجوبين كانوا عرضة للإيجيمي خلال دراستهم كما أن 32% منهم يقرون أنهم اضطهدوا شخصا آخر سابقا وان 77% يعترفون أنهم كانوا شهودا لحادثة إيجيمي.
إذا هي ليست ظاهرة هامشية، كتاب بارال يشير أن الأساتذة أيضا يشاركون في الأمر مثلا لما يصرخ في وجه التلميذ المنبوذ دائما عكس البقية وأيضا لا يتدخل إن قام بقية التلاميذ بفعل شيء له مثل سرقة أغراضه بل يصبح هو المتهم بالإهمال، وكما يوضحه مقال "الإيجيمي في المدرسة" في موقع Animeland فإن هذا النوع من العنف على غرار المعاكسات والمقالب هو إضطهاد ذلك الشخص الذي يختلف عن البقية من أجل ضمان تجانس وترابط القسم.
ومن المثير مقارنة تصرفات المضطهدين في المانجا مع الإجابة التي قدمتها أميلي نوثومب لصحفي حول كتابها إذا قالت "هذا لا يعني أبدا أنه نقد أو هجاء لأن ذلك يعني وجود حساب أصفيه مع اليابان، أنا ليس لدي أي رغبة في الانتقام ولا أي ضغينة نحو اليابان، اليابانيون عاملوني كما يعامل أي ياباني آخر إذا لما علي أن ألومهم أكثر من أي يابانية؟ بل هي من جانب أخر شرف أن أعامل كيابانية حقيقية".
4- من الكوغارو "コギャル" Kogaru إلى الأنجو كوساي "援助交際" Enjo kōsai: مقاربة معينة للجسد أو المادية في ذروتها

من أجل الحديث عن ظاهرة الكوغارو، أولئك الفتيات الملونات ذات البشرة البرونزية إم لم نقل سوداء، نجد نص "حوريات طوكيو" لميريال جوليفي صاحبة الدكتوراه في الدراسات الشرقية والأستاذة في جامعة صوفيا في طوكيو صاحبة كتاب "Homo Japonicus" تبدوا لي أكثر ما كتب وذو صلة في هذا الموضوع وهو موجود في موقع اليونسكو: "كل شيء بدأ سنة 1996 مع أمورو نامي، حورية رائعة ذات 17 سنة منتوج أصلي من مدرسة أوكيناوا للتمثيل، راقصة ممتازة كانت ترتدي على الخشبة في البداية بحمالة bustier ثم طقم بسروال مع سترات طويلة، وعن طريق بشرتها الذهبية وخصلات شعرها اللؤلؤية وحواجبها المرسومة بعناية فإن مظهرها أصبح شهيرا مباشرة باعثا الأسلوب "الإستوائي"، هي أيضا من روجت الأحذية ذات النعل لكبير التي كانت ترتديها حتى في فصل الصيف من أجل تعويض قصر قامتها.
نسخها والمتشبهين بها انتشروا بعدد هائل في الأحياء العصرية لطوكيو مثل شيبويا، قاعات الهياكي اين تتم عملية حمامات الشمس بالأشعة فوق البنفسجية UV تضاعفت في كل مكان، والفتيات اللائي زادوا من الجرعة بنومهن تحت الأشعة أوجدوا مصطلح الغانغورو " がんぐろ" ganguro أي الأوجه السوداء والتي يأخذون نوعا من المتعة بإظهار هذا اللون الأسود بتحديد أعينهم وشفاهم باللون الأبيض.
تقول سانايي وهي طالبة ذات 21 سنة: لقد مررت بفترة الكوغايارو (وتعني الفتاة الصغيرة) وكان أساتذتي من قاموا بدفعي لها بشكل غير مباشر، عندما جعلوني أشعر أنهم لم يعودا يتحملوني أدركت انه لا داع لمحاولة إرضائهم، ومن اجل عيش أزمة مراهقتي قمت باللجوء إلى مجموعة فتيات اعمارهن بين 15 و 18 سنة وهن أيضا ضائعات وبائسات مثلي وبعضهن من يبعن أجسادهن أحيانا من اجل شراء الملابس أو الحقائب من العلامات الشهيرة وبدون اي شعور بالذنب، وهذا بتمسكهن بوهم أنهن يثرن الغيرة والحسد لدى الآخرين" إنتهى كلام ميريال.
هذه الظاهرة أخذت في التناقص منذ يداية الألفية بسبب أن المنتمين لها كبرن ومنهن من أسس عائلة لكن المضحك أن هناك غريبات غربيات يقمن بذلك دون فهم أصلها وكما تقول إحدى الكوغارو الياباتيت في بقاء معها في فتاة فرنسية انها تستغرب قيامهن بذلك اذ الأصل في الكوغارو هو محاولتهم التشبه بفتيات الغرب والخروج عن القيود التي يفرضها المجتمع الياباتي.
هذا الاستطراد المتمهل يأتي بنا للحديث عن الأنجو كوساي، دعارة الطالبات الثانويات من أجل شراء الملابس ليكن دائما متزامنين مع آخر صيحات الموضة، وإن كانت هذه الظاهرة صعبة التحديد فإن بعض الدراسات تتأرجح في تبيان أهمية الظاهرة ما بين القوة والقلة كما أن الحصول على إحصائيات دقيقة لحجم الظاهرة صعب لكن الدراسة التي وجدتها للباحث Yasuko Muramatsu أستاذ في جامعة طوكيو غاكوجي بعد إستبيان قام به لطلبة ثانويين عددهم 121 في شينجوكو في وسط طوكيو وماكيا في ضاحية طوكيو في أكتوبر من سنة 1999 أجاب ثلاثة أرباعهم أي 90 فتاة انهن تمت دعوتهن لعلاقة من طرف أشخاص كبار في السن، و60% من أولئك الأشخاص يمنحون المال مقابل ذلك كما انهن أشرن أن الأشخاص لديهم ميل واضح للزي المدرسي وقلن أنهن كن أكثر عرضة للتحرش من طرف العجائز ojisan لما كن يرتدين ملابسهن المدرسية الرسمية، والسن الذي حددنهم لدى الأشخاص الذين دعوهم بـالـ ojisan هو من يتجاوزون 30 سنة، وعن ردة فعلهن فإن 70% من التسعين 90 فتاة أجبن أنهن الشخص كان مثيرا للإشمئزاز و30% قلن أنهم شعرن بالخوف منه، لكن بعد تلك التجربة الأولى أولئك الفتيات أصبحن لا يشعرن بالخوف ولا بالنفور من هذه الأمور بل وجدن فيها طريقة سهلة لجمع المال، الباحثون اجمعوا في الدراسة أن المجتمع الياباني غير المصطلحات من اجل شبه قبول للظاهرة لأن مصطلح الإنجو كوساي أقرب للقبول لديهم من مصطلح دعارة المراهقين.
المقال الثاني الذي وجدته يتحدث عن الموضوع هو ترجمة لمقال صدر بتاريخ 14 أبريل 1998 في Asahi News والذي يقول: "على الرغم من الاهتمام المفرط لوسائل الإعلام حول ما صنفه الكثيرون على انه ظاهرة منتشرة كثيرا فإن 5% فقط من تلميذات الثانويات أقررن أنهنا شاركن فيما يسمى الإنجو كوساي (قبول المال من رجال بالغين) مقابل موعد قد يؤدي أحيانا إلى علاقات غير شرعية، وأن 90% قلن أنه شعرن بالسوء فقط بالتفكير في القيام بعلاقة مقابل المال و60% شعرن بذلك فقط بالتفكير بالقيام بموعد، وفي السنوات الأخيرة الأنجو كوساي كان محط اهتمام الإعلام ما أدى إلى إنتقاد التربية الأخلاقية للفتيات الصغيرات التي يقمن ببيع أجسادهن من اجل شراء مواد غالية الثمن من أجل الرياء والمظهر.
هذه الدراسة قام بها الأستاذ ماموري فوكوتومي أستاذ علم النفس في جامعة طوكيو غاكوجي وتم نشرها سنة 1998، وتمت على عينة من 960 تلميذة بشكل عشوائي والتي قامت 60% منهم على الإجابة على الأسئلة أي حوالي 600 شخص، ومن بين الفتيات التي كانت لديهن تجربة في الإنجو كوساي 2.3% أقررن أنه كانت لديهم علاقة جسدية كاملة و2.3% قلن أنهن وصلن فقط إلى مقدماته و4.8% قلن أنهن لم يتجاوزن الحديث والشرب.
ومن هنا خلص البروفسور أن نسبة الفتيات المتورطات في هذا النوع من العلاقات أقل بكثير مما يظهره الإعلام".
قد تتساءلون ما دخل هذا بالموضوع؟ أجيبكم أن له علاقة وثيقة جدا، فأعتقد أنكم قد لاحظتم كيف تقوم المانجا بإظهار التلميذات في المدرسة والطالبات في الثانوية طبعا بالزي المدرسي لكن بشكل مغري بل أحيانا كأشياء للإغراء ولسن مراهقات تلميذات مدرسة بأجساد بالغات، والمشكل أن الرغبة فيهن من الكبار أصبح واقعا ملموسا في المجتمع الياباني كما قلت ولا زلت اذكر لدى قراءتي لمانجا Initial D أني تساءلت عن علاقة Natsuki Mogi مع الذي تدعوه أبي والذي من المؤكد لم يكن كذلك، إذ أن غضب تاكومي لما رآها معه أكد ذلك وتلك أول مرة أقرأ عن الإنجو كوساي لما دخلت المنتديات التي تتحدث عن المانجا وتحدثوا عن تلك العلاقة، صحيح أنها كانت مفاجأة لكني اكتشفت أنها أمر عادي في اليابان حتى ولو لم يتحدث عنها علنا، وهناك مانجا GTO و GTO Shonan 14 Days ومانجا Peach girl والعديد من المانجات الأخرى.
الكوغارو والانجو كوساي مفهومان مرتبطان بشكل عميق، وهو أمر جلب بعض المشاكل لبطلة مانجا Peach Girl، كما ان هذا الموضوع قد تم التطرق إليه حديثا من طرف الكاتب Ryū Murakami في مؤلفه «Love & pop» والذي حول إلى فيلم، وكما قلت المانجا لا تتطرق إلى الظاهرة بشكل مباشر بإسمها المعروف لكن كشيء جانبي لكنها موجودة.
وهناك هيروكي أزوما HIROKI Azuma الذي ذكرته سابقا قد شرحها بشكل واف في اعماله، إذ يرى أن fan service وصنع الشخصيات خاصة الانثوية منها بشكل مغري يستجيب إلى تحويل الأجساد إلى شيء مادي للإناث و الذكور وجعلها بشكل جذاب عن طريق القوام الرشيق والصدر الكبير بالنسبة للنساء وتأنيث صفات الشخصيات الذكرية في أغلب الأحيان، وخلص على ان المانجاكا في أغلب الاحيان يقومون بإعطاء شيئا مما يريده القارئ مقابل ما يدفعه لشراء أعمالهم وهذا بوضع بعض الإغراءات على الورق حتى ولو لم يكن مفيدا للقصة.
5- الهيكيكوموري "引き篭り" Hikikomori، ذروة الأوتاكوية
ظاهرة الهيكيكوموري تمس 1% من المجتمع الياباني وهو مصطلح يشير إلى حالة نفسية اجتماعية وعائلية تصيب بشكل رئيس المراهقين أو البالغين الصغار في السن الذين يعيشون في عزلة لدى والديهم وفي أغلب الأحيان في غرفتهم لعدة شهور أو ربما عدة سنين ورافضين أي تواصل حتى مع عائلتهم ولا يخرجون سوى لقضاء حوائجهم الجسدية.
وارتأين ان أتطرق لهذا المفهوم بعد ان تحدثت عن الظواهر أمثال الإيجيمي او الضغط الكبير المفروض من الغيري والأماي فيما سبق، الضغوطات الاجتماعية والمدرسية وكل ما يتعلق بها، كل تلك الضغوطات تدفع البعض إلى الاعتزال عن المجتمع والانغلاق على أنفسهم، وهذه الظاهرة نجدها في مانجا Rozen Maiden أو NHK ni yōkoso، وفي الواقع يوجد نوع من الفاصل بين الأوتاكو والهيكيكوموري إذ أن هذا الأخير ليس لها مرجع غير شاشتي حاسوبه وتلفازه، عكس الاوتاكو الذي يخرج أحيانا، كما أن هذه الظاهرة تحتاج لبحث منفصل حولها وليس مجرد فقرة في بحث آخر لذا لن أتعمق فيها كما أن هناك مقالات وكتب تطرقت للأمر بإسهاب أمثال أبحاث Etienne Barral و Hiroki Azuma.
6– فيريتا "フリーター" Freeter: جزء من الشباب الضائع
لن أطيل في هذا الموضوع لأني أعتقد أن المانجا عالجت أيضا جزءا كبير من الشباب الذين تم تركهم على قارعة الطريق لما لا يستطيعون الانصهار في المجتمع وبالتالي هؤلاء الشباب ليس لهم عمل قار ويشتغلون في أعمال بسيطة لا تحتاج إلى مؤهلات، وعددهم لا يتوقف عن الارتفاع من سنة لأخرى إذ من 500 الف سنة 1982 إلى نحو مليونان في سنة 2000 والرقم في إرتفاع مع إزدياد، وإذا كان البعض لم يجدوا بدا غير هذه الطريقة في العيش فهناك البعض إختارها بطواعية مثل احد الأوتاكو الذي ذكرته إيتيان باريل في كتابها الذي اختار تلك المعيشة من أجل تتبع فنانه المفضل، وهناك آخرين رفضوا بشكل تام وعمدي الدخول في النظام واختاروا العيش في هامش المجتمع يقولون أنها حرية.
في المانجا يمكننا أن نجد الفيريتا في العديد منها اذكر منها Ushijima والفتى الذهبي وSing « Yesterday » for me، في الفتى الذهبي البطل يطوف اليابان على دراجة هوائية ويقوم ببعض الأعمال الصغيرة لكن دائما لدى نساء والمانجا فيها مشاهد غير اخلاقية لكنها أفضل مثال لهذا المفهوم، وخلف بعض المشاهد الكوميدية فإن الطريق التي يسلكها الفيريتا والمواضيع التي يتناولها من سياسة وعالم المؤسسات تعطينا نظرة مختفة حول المجتمع الياباني إذ ان خلف الفيريتا هناك تك الحرية الإختيار الشخصي التي دائما ما يتم إهمالها وكبحها من طرف المجتمع.

7 – مجتمع "كيف" أكثر منه "لماذا"
النقطة الأكثر إثارة للاهتمام لما نشاهد لقاءات الصحفيين مع المانجاكا هي إجاباتهم الموجزة المختصرة وصعوبة انفتاحهم على الأجوبة التي يندهشون من طبيعتها، ومثل بعض البلدان فإن اليابان هي بلد "كيف" أكثر منه بلد "لماذا"، وهكذا في إختبار الكفاءة في اللغة اليابانية Japanese Language Proficiency Test على غرار أغلب الامتحانات في اليابان فإنها أسئلة متعددة الخيارات QCM، وهذا موجود في العديد من البلدان لكنه قليل في أوربا، هذا النظام من الصعب تتبع تاريخه ويبدو لي أنه موجود من زمن بعيد جدا لكن شهرته أتت من أمريكا وتعود إلى الحرب العالمية الأولى، إذ ان الجيش الأمريكي أخترع الإختبار الشهير Army Tests من طرف علماء نفسانيين في ذلك الوقت من اجل اختيار الضباط وضباط الصف المستقبلين من بين المجندين للذهاب للحرب، ويمكن القول ان فوز الحلفاء أعطى للامتحان شهرة، لكن هذا الأسلوب لديه حدود ومن بينها هناك نقطتين مثيرتين: إنه من المستحيل تقييم على سبيل المثال القدرة على التحدث مع المتعلم أو إبداعه أو أيضا قدرته على إعداد نقد لبحث أو عمل أدبي عن طريق هذه الأسئلة، ولأجل قياس هذه الأهداف يجب استخدام وسائل أخرى للتقييم، الثاني هو تقلص المجال المعرفي إذ يمكننا الخوف أن QCM يساهم في تبسيط "النظرة للعالم" للمتعلمين وتقليصه إلى مجرد نمط او مخطط صغير وبالتالي توحيد تفكير الأفراد وفقدان حس الإبداع.
ننطلق من هذا التحليل مع العلم ان معظم الأشخاص في اليابان يتم تقييمهم بهذه الطريقة إن لم اقل كلهم ومن هنا لن نتفاجأ أن نقرأ في مقال عن محضر مؤتمر "نقد المانجا هل هو لا شيء" الذي قامت به مجلة الواب Anime-kun حول مؤتمر Angoulême 2009 إذ نجد في ثنايا المقال:"إذا هل نقد المانجا يعد لا شيء؟ على كل المتدخلين أجمعوا على القول أننا شبه راكدين، لكن هذا الامر ليس مشرقا في مكان آخر إذ أن النقد بما يحمله من معاني غير موجود في اليابان إذ ان كل المجلات هناك تابعة لمجموعات نشر كبرى ومن هنا لا يوجد نقد حر، وهذا يؤدي إلى حالات لا تصدق وعجيبة، إذ لما يأتي مانجاكا إلى فرنسا (المجلة فرنسية والكاتب فرنسي) ويرى الأسئلة التي نطرحها عليه يبقى مندهشا، نيكولا بينيدو ذكر مثال كاتبة مانهوا التي إنتهت في الأخير إلى تغيير اتجاه الحوار لتسأله هي عما يجرد بها تحسينه في عملها التي ترسمه آنذاك، مجلة انيملاند هي أيضا تعرضت لهذا السؤال من طرف مجموعة كبيرة في اليابان التي لم تفهم لما المحررون يتعبون انفسهم في كتابة مقالات من البداية إلى النهاية بدل إستخدام مباشرة النصوص التي يمنحها الناشرون للصحافة."
المقال كاملا هنا
هدفي ليس المقارنة بين النظام التعليمي لليابان وبقية العالم ولا نقده لكن ببساطة من اجل القول أن هذا النوع من التفكير والتعليم يؤثر بالتأكيد على إنتاج المانجا ونقدها وبطريقة غير مباشرة على النهج الذي نأخذه، إذ في الواقع في اغلب الأحيان الكتاب لا يبدو أنهم فكروا في سبب معالجتهم للموضوع بتلك الطريقة فلو أخذنا حوار مؤلف سول إيتر الذي ذكرته سابقا فإنه من الغريب أن يجيب كاتب بهذه الطريقة على السؤال التالي "بعض الشخصيات مثل ستاين هم شخصيات مختلةّ، فهل الجنون هو مجال يستهويك؟" فأجاب :"لسنت معجبا بالجنون بشكل خاص لكن عندما أبدأ بالرسم فإنه يأخذ دائما هذا الاتجاه" فهل يعقل انه لم يسأل نفسه يوما لما رسوماته تأخذ دوما هذا الطريق؟ ! لكن كما يقول ليفي ستروس "لن نذهب بعيدا في تحليل التحف الفنية إذا توقفنا أمام ما يقوله مؤلفوها أو ما يعتقدون أنهم قاموا به".
المثال الأكثر أهمية هو نوعية البطل في عدد كبير من مانجات الشونين بمعنى البطل الساذج أو الغبي الذي لا يطرح أبدا أسئلة وليس له سوى هدف واحد في تفكيره مع إبعاد كل ما عدا ذلك، وأيضا كما شرحت سابقا إنه من النادر أن نعرف الأفكار العميقة للبطل إذ أن أفكاره في أغلب الأحيان تدور حول القتال وتحقيق الحلم وأكبر مثال على ذلك هما ناروتو ولوفي.
د- الإنتحار وانواعه، مقاربة فريدة نوعا ما للموت
السيبوكو، التوبيوري جيساتسو (الإنتحار عن طريق القفز من علو شاهق أو من مركبة أو قطار)، هي عدة تطورات بشكل طقوس للموت التي تجعلنا متحفظين وحذرين من تلك الأفكار، إذ أن هذا الهوس في رمزية الموت والدفن يمكنها أن تدهش الجميع والذي يعد أفضل ممثل لهذا الهوس هو تاكيشي كيتانو Takeshi Kitano رغم أن تفكيره يناسب دياناته إذ يقول: "ما يهمني أكثر من وجود إله هو معرفة السبب من حياتنا وموتنا، بالأساس هو معرفة لما على الإنسان العيش لكني لا أعلم شيئا على الإطلاق، إذ اني اهتم أكثر بالموت أو بالشعور بالنفور والكراهية من الموت، أنا لا أفكر سوى بهذا".
في مقال "الإنتحار، ذروة العنف في سينما كيتانو تاكيشي" الباحث جيرالد ميالو Gérald Mialou يشير كيف الغرب بالتدريج تقيدوا بتحريم إلهي لقتل الغير أو النفس بينما اليابان قام بتقنين طقوس الموت الإرادي والإنتحار لعدم وجود تحريم ديني للأمر مع ذكر اقتباسات من نصوص قديمة مثل Man yôshû وNihonshoki، وبدون أي جدال أو إشكال فإن لكل شخص في اليابان له الحق في الحياة أو الموت بخصوص نفسه.
إذا كان ميالو عالج موضوع الموت في أعمال كيتانو فإن المانجا أيضا عالجت موضوع الموت في مانجا غانتز الذي جعل الموت كلعبة وأيضا GTO في قضية التوأمين وحرق الميتم، وأيضا هناك مانجا Go Go heaven التي تعالج الإنتحار بمنحى شبه مستحل الحدوث، "الشخصيات الرئيسة الأربعة وهن أربع فتيات جوليا وهيميكو أيا وميكايل لديهن قاسم مشترك هو رغبتهن في الانتحار، على حافة الهاوية وإثر تحفيز من جوليا يقررن تكوين فرقة موسيقية من أجل الإنتحار معا على خشبة المسرح، الفرقة لقيت نجاحا شعبيا هذا الأخير يدفعه الفضول والحرص على رؤية إنتحار جماعي يجلب إنتباه مدير فرقة عديم الضمير، هذا الأخير يستغل ذاك "الأمر" ويقوم بتسويق محنة الفتيات"، وفي السياق هذه المانجا تظهر أيضا التضاد الكبير الذي يميز المجتمع الياباني، أيضا هناك مانجا جزيرة الإنتحار Suicide Island التي تعالج الظاهرة من زاوية معاكسة تقريبا بإظهار ما بعد محاولات الانتحار ما بين التكرار ومحاولة البدء في العيش من جديد في جزيرة مخصصة لهم ، وهناك العديد من العناوين الأخرى أذكر منها Alive - The Final Evolution ومانجا Reset.
المنتديات ومواقع التعارف والمدونات التي تجمع الباحثين عن الإنتحار من أجل الحديث عن طقوس موتهم هي من المواضيع الصعبة التطرق خاصة لما بعض الباحثين عن الربح من وراء الامر يستغلون الظاهرة من اجل زيادة أرباحهم.
هـ - تصور خاص حول الخير و الشر
المذكرة التي ذكرتها سابقا للكاتب رومان شابوي "الهوية الوطنية اليابانية عبر إقتباسات الروايات الأوربية في الثقافة اليابانية" تعالج بشكل جيد المقاربة بين الخير والشر في المانجا، "إذ أنه من المدهش رؤية كيف يصبح الشرير خيرا في أغلب الأحيان وأيضا يشير إلى غياب السمو في التصور الوجودي للواقع في اليابان يفسر رفض اعتبار الشر المقتبس من طرف بعض الشخصيات كشيء وجودي، فالخير والشر يتم تعريفهما بالعلاقة مع حادثة معينة في سياق أخلاقي فما يكون خيرا في حادثة معينة يصبح عكسه في وضعية أخرى، الشخصيات السلبية في القصص اليابانية هم على خطأ وضحايا حكم خاطئ للواقع أكثر منهم يريدون الإساءة بعناد، السياق يسمح دائما إحتمالية العودة إلى جادة الصواب في المستقبل.
وأكثر من التصرفات المحددة فإن الشر يسكن في تصور العالم الذي ينفي إمكانية الجميع في الدخول إلى شبكة الترابط العاطفي التي تؤدي إلى تدمير التضامن التقليدي وتكوين مجتمع أين يكون أفراده غير مهتمين ببعضهم البعض بل يبحثون عن السيطرة والقوة، فالشر هو كاريكاتير لمفهوم غربي موروث من الديكارتية يعني أن الآخر يستبعد كل ما لم يستورد من الغرب في إطار ثورة تحديث البلاد ومنه رفضه خشية التفريق بين أفراد المجتمع، وهذا هو أساس الهوية الوطنية في اليابان والإحباط الذي تشكل ضده نظام التفسير المشترك لجميع اليابانيين.
رفض جعل الشخصيات السلبية كتجسيد للشر وشرح أسباب تصرفاتهم هي عوامل تضمن لكل ياباني إمكانية العودة والاندماج في المجتمع، وإذا كان هذا الاندماج يتطلب تحقيق العديد من الشروط وجعله في اختبار دائم فإن إمكانية إثبات نفسه لا ترفض أبدا، وبالتالي فإن تعريف معايير المجتمع تكون باحترام قواعد العقود والقوانين أكثر منها عن طريق المطابقة مع المبادئ التي من المفروض أن تجعله ينتمي إلى الثقافة اليابانية".
وفي الواقع هذا التصور للأخلاق هو مستمد من الفلسفة البوذية التي يدين بها معظم اليابانيين، وهذا المقتطف من مقال حول الاخلاق البوذية يبدوا لي مناسب للسياق: " الديانات تضع في أغلب الأحيان معايير أخلاقية من أجل إرشاد المؤمنين بها نحو الخير وإبعادهم عن الشر وهذا يعني أن الناس يعتقدون أنهم سيحاسبون عن تصرفاتهم سواء الجيدة ام السيئة، ويعتقدون أنه من الممكن تحديد هذه القواعد واحدة فواحدة. فالمسيحية على سبيل المثال لها الوصايا العشرة كأساس لتحديد الأعمال الخيرة و السيئة لكن في الواقع العملي المجتمع وضع وطور العديد من النظم الاخلاقية والمبادئ التوجيهية لتعليم الناس ما هو صواب وما هو خطأ. وليس مبالغة القول أن من أهداف المسيحية هو القضاء على الشر من على وجه الأرض (مفهومهم للشر غير مفهومنا فهم يعتبروننا أيضا أشرار) وترك فقط الخير ولكن من وجهة النظر البوذية هذا يعتبر شيئا عقيما، فالبوذية تعتقد أن اللاواقع أو الدارما Dharma هو أبعد من مجرد مفهوم للخير والشر يعني أنه يحتوي على هذا وذاك دون فصل في حالة ما قبل المفاهيمية، ومحاولة القضاء على نصف الحقيقة يبدو حسب التعريف شيئا مستحيلا، والأكثر من ذلك الجهد المبذول من اجل القضاء على شطر الواقع هو نوع من التأكيد على وجود هذا الجزء بالتحديد الذي نريد إزالته. البوذية لا تقول بعدم وجود الأخلاق فهي تأكد على أهمية الأخلاق السلوك السوي في جميع مجالات الحياة، مع ذلك فإن منهجها حول السلوك الأخلاقي مختلف كثيرا عن تعاليم الديانات الغربية الإسلام والمسيحية واليهودية. رغم ذلك البوذية تؤمن بالعمل الصالح الصحيح وتؤكد أن العمل السوي ليس هو نفسه مفهومنا للعمل السوي وأن الفعل الأخلاقي لا يتطابق دائما مع مفاهيمنا المسبقة للأخلاق.
السبب هو أن البوذية تعتقد انه في الحقيقة ليس هناك سوى هذا المكان وهذه اللحظة الحالية وكل شيء آخر الماضي و المستقبل ليس لهما وجود حقيقي ويترتب عن ذلك أن المكان الوحيد الذي يمكن أن تكون فيه التصرفات خيرة أو سيئة هو هنا و الآن، وعلى هذا المنوال فالبوذية تشير إلى أن الخير و الشر متعلقان بالحاضر هنا و الآن والتصرف بشكل أخلاقي يعني التصرف بشكل جيد في هذه اللحظة بالضبط، يعني التصرف الصحيح في هذه اللحظة هي الأخلاق الحقيقية الوحيدة، وبالطبع يمكننا النقاش حول الحق والباطل والخير والشر كمفاهيم مجردة لكن يتم فصل تلك المفاهيم المجردة دائما عن الحالة الفعلية الواقعية التي تواجهننا هنا و الآن وهي على هذه الحالة متحيزة ولا يمكن أن تكون دليلا كاملا لأعمالنا في الوقت الحاضر" (مقتبسة من مؤتمر حول الأخلاق البوذية لإيدو ميكاييل ليتشفورد الذي كان في نوفمبر 1997.

الكثير من الأمثلة كسول إيتر التي ذكرتها عدة مرات والتي تبدو مثيرة في هذه النقطة، لا توجد فيها شخصية طيبة أو شريرة كل شيء متعلق بالوضعية التي على الشخصيات مواجهتها، بالاضافة لذاك وكما يشير المقتطف الذي وضعته آنفا فغن الشر يمثل كمشكل نفسي وخلل في الشخصية كما هو مع ستاين في السول إيتر وساغا في السانت سيا، وإذا تجاوزنا هذين العملين فإن هذه التجسيد للشر والخير توجد في أغلب عناوين المانجا ولو خرجت قليلا عن النص فإنها تثير لدينا جاذبية خاصة بالموازاة مع بعض السلسلات التلفزية الشهيرة مثل ديستر والدكتور هاوس الذي نجد فيهما أن البطلين لديهما شخصيتان متناقضتان لديهما ذكاء حاد لكن تفكير غير متوازن يعملان من اجل الخير لكن بأساليب لا نستطيع أن نقول انها جيدة، وفي المانجا لدينا شخصيات فيجيتا و بيكولو في دراغون بال و هيونكيل في مانجا دراغون كويست واوبيتو في ناروتو ونامي في الوان بيس وغيرهم الكثير.
و- هل المانجا تنقل دور الأب والأم بأمانة؟
أيمكن أن نقول نعم كإجابة عن السؤال، لكن ما هي العناصر التي اعتمدت عليها في الإجابة عن هذه الفكرة؟
إنها متعددة، وهكذا نجد في الشونين المشهور والمعروف لدى الجميع دراغون بال إذ نجد سانغوكو يقوم بدوري محور في الرفع من قوة ابنه سانغوهان من اجل أن يتجاوزه في قتاله ضد السايبورغ سيل، فمهوم تجاوز الذات المحبوب لدى الشونين وفي أغلب الأحيان متعلق الأصدقاء لكن يمكن أن يربط بالوالدين أيضا، ذكرت الدراغون بال لكن يمكنني أيضا التمثيل بمانجا Tough أين والد كيشي هو مثال حقيقي للصرامة والحنان وأيضا للسلطة، ميازاوا سيكو ينقل لبنه تدريجيا تقاليد الناداشينكاجي الذي هو فن قتالي من أجل القتل والإغتيال، ويوجه إبنه بنقل مختلف التقنيات في كل موقف حرج يتعرض له كيشي، فيمكن القول أن سايكو محفز وموجه لكيشي إلى حين أن يستطيع الإستقلال بنفسه ويتبع طريقه الخاص.
الأباء يكونون في اغلب الأحيان انطوائيون ونماذج قوية قليلا ما يظهرون الاهتمام بأبنائهم لكنهم دائما متواجدون ونبقى في مثالنا نجد سايكون يساعد إبنه دائما من خلف الستار ويشجعه بشكل دائم، لكن الأمثلة ليست نادرة فهناك مانجا امير التنس حيث هدف ريوما هو هزيمة والده نانجيرو الذي يعد أسطورة في التنس، وهذا الأخير يعد مدربا غير مباشر لابنه ويقد له الكثير من النصائح ليتطور، ولدينا في مانجا Initial D شخصية بونتا والد تاكومي يعد أسطورة في سباق الشوارع ويلعب دور الجدار الذي يسمح لابنه بأن يتجاوز حدوده من أجل التقدم وبالتالي محفزا له ليتطور، من هنا يمكن القول أن الوالد يكون في أغلب الأحيان قدوة وعقبة في نفس الوقت لكنه في أغلب الأحيان يسمح للبطل أن يأخذ بعدا جديدا إذ انه يعتبر في الكثير من الأحيان كقفص يحز البطل ولا يستطيع الخروج منه إلا بتجاوزه وعندما يفعل ذلك يمكن للبطل أن يطير بجناحية ويكور أسلوبه الخاص.
مثال آخر في مانجا يويو هاكوشو لما يجد يوسوكي والده القتال بينهم ينتهي بموت الوالد واخذ الإبن مكانه، وغون في مانجا الهانتر هدفه الأساسي هو إيجاد والده الذي تحداه في أن يجده رغم انه لم يتواجد كثيرا أو نقول شبه منعدم في بداية السلسلة لكنه كان محفزا بشكل أو آخر لابنه، أتوقف بمثالين لأني لو واصلت لما انتهيت لكثرة الأمثلة نجد مانجا Kami no Shizuku أين شاب يربيه والده دون معرفته ليصبح خبيرا في أحد المجالات ويصبح وريثه في المجال وفي نفس المجال لدينا مانجا Yakitate Japan أين كازوما عليه أن يواصل حلم أبيه.
الأب يمثل في الوقت نفسه القدوة والهدف أو الغاية، الأبناء لا يستطيعون التحرر إلا بعد أن يتفوقوا على اوليائهم ويتم تجاوزهم من أبنائهم بدورهم هم أيضا لاحقا، وحتى وإن لم نتوقع الكثير من الوالد في البداية كما في الكيميائي المعدني وفي بليش فإنه في الأخير يظهر انه الأب شخصية قوية وأنه في بعض الأحيان أصل القصة ومبدأها كلها، كما أنه يمكن للوالد أن يكون والدا غير حقيقي ويكون هذا غالبا لما يكون البطل شخصية ذكرية مثل كايبارا بالنسبة لريو في السيتي هانتر جيرايا بالنسبة لناروتو رغم أن في هذا الأخير الاب الحقيقي له دور في تحفيز ابنه بشكل غير مباشر.
لكن هذا الدور هل هو نفسه بالنسبة للأبطال الإناث؟
الإجابة هي النفي، هذه العلاقة هي في المقام الأول مؤثر للرابطة بين الأب والإبن في الشونين لكن تأثيرها شبه منعدم في العلاقة بين الأب والابنة، وفي رأيي العلاقة مع الابن هي في أغلب الأحيان غائبة وعندما تكون موجودة تكون شبه منعدمة وفي الأغلب تكون علاقة تعارض، رغم ذلك هناك مانجاتين تبدوان مثيرتين للاهتمام في هذه النقطة الجوزي Baby pop والشونين سول إيتر، إذ أن كلا المانجاتين تلعبان على العلاقة بين الابنة وزوج الأم بين ناغيسا وريونوسوكي والعلاقة بين الابنة والأب الموجودة بين ماكا وديث سيث "الروح" في الأخيرة، والذي يجذب الانتباه والذي أكدته مقابلة مانجاكا سول إيتر فإن العلاقة بين الأب والابنة موجودة من أجل خلق مشاهد كوميدية وحالات نزاع بينهما بسبب عدم وجود تفاهم بينهما.
العلاقة بين الأم والابن هي أيضا مختلفة فهذه العلاقة هي بعيدة نوعا ما عن القصة وأن الأمهات غائبات في معظم الأحيان عن القصة (بليش وThough وناروتو وInitial D وغيرها الكثير) أما فيما يخص العلاقة معلمة وتلميذة فلدينا تسوناديو وساكورا وأيضا يوكو و واتانوكي من مانجا xxxHolic، هاتين المعلمتين هما امرأتين حازمتين صاحبتا معرفة كبيرة وخبرة وقوة، وفي رأيي من اجل الحصول على علاقة ام مع ابنتها يجب العودة إلى بداية الشوجو بدل الإنتاجات الحديثة منه.
أيمكننا تفسير هذه الملاحظات؟
الأم تحتل مكانا محورا في الأسرة اليابانية ويمكن القول انها المركز العصبي للأسرة، وهي تهتم تقريبا لوحدها بتعليم أبنائها ليكونوا نموذجا للموظف الياباني ومن بناتها نساء مثاليات على الصورة التي تعلموها لكن أيضا بتطبيق مبدأ غيراي على أولادها ليصبحوا ما يريد المجتمع أن يكونوه، وأقتبس عبارتين من japonicus "كل الرجال من جيلي لديهم ام، إمرأة كيغيو سونشي (جنود المؤسسات كما يصفن) هذا ما كتبه تيودا ماسايوشي، والإشكال انهن يردن أن يجعلن أبنائهم على صورة الرجولة المثالية التي يرونها في ازواجهن حتى واوكانوا على عكس ذلك، ثمن ذلك يمكن ان يكون غاليا جدا لكن ذلك لا يمنعهن من محاولة صهرن في نفس القالب ليحصلن على نفس النتائج، وحتى لو كان هذا النوع من الرجولة التي يوفرونها هي الصورة من أزواجهن إلا أنهن يحاولن التحكم في أبنئهن ولو من وراء الستار كالدمى إن لم يسمح لهن الأبناء بذلك رغم أن التمرد على الأهل نادر الحدوث في اليابان".
وبعرض هذا فإنه ليس من المستغرب أن نجد الأمهات تلعبن دورا تافها في المانجا فهن دائمات الحضور في حياتهم الواقعية ليتم نقلهم أيضا للمانجا كما أن المانجاكا يقدرون أن القراء يرون أمهاتهم كثيرا جدا لذا لايريدون رؤيتهم أيضا فيما يقرؤونه، لكن هذا الغياب الكبير يبقى شيئا مثيرا للدهشة لدرجة أصعب التعبير عنه خاصة إذا عرفنا ما يمثل الوالدين في المجتمع الياباني.
الأب يلعب دورا غريبا جدا في اليابان ومفاجئ نسبيا بالنسبة للنظرة التي يراه بها الأجانب، ولهذا قالت إيتيان بارال أن تقاسم الأدوار في المجتمع الياباني لا تترك مكانا للعمل الأبوي "الطفل لا يرى من والده سوى الظهر"، هذا التعبير الشعبي موجود بشكل جيد في المانجا إذ في الغالب ما يذكره البطل عن والده تمثله بالظهر مثلا نظرة سانوسوكي لمعلمه في كينشين أو الصورة الأخير لفلاي لوالده في مانجا دراجون كويست، وأيضا العلاقة مع الوالد تمثل غالبا بانعدام التواصل بينهم مثل المصورة في علاقة شينجي مع والده في إيفانجيليون، رغم ذلك إذا استثنينا بعض العناوين القليلة فإن ازدراء الأبناء و كرههم لآبائهم التي تطرقت إليها ميريال جوليفي في كتابها السابق الذكر غير موجود بكثرة في المانجا ولا يعد من أسس القصص المعالجة بل على العكس نرى أن الأب يظهر غالبا في اللحظات الحرجة عندما لا ننتظره مثلما حدث في بليش وناروتو ويرهما الكثير.
فيما يخص الشوجو وبعد تفكير في المانجات التي قرأتها أرى أنه الأب يستخدم بشكل قليل نسبيا، فهل يمكن أن نفهم ان رمزية دور الأب مفهوم بطريقة مختلفة حسب ما إن كانت المانجا شوجو أو شونين؟ أظن أن الإجابة هي بالإيجاب لكن لا أملك الكثير من المعطيات لندرة المواضيع التي تعالج الأمر وعدم تطرق الحوارات مع المانجاكا التي وجدتها لهذه النقطة.
ز – المسألة الشائكة لعلاقة المانجا بالسياسة.
من اجل إنهاء هذه هذا الجزء من التقرير الذي أرى أنه طال والذي تحول لدراسة بحد ذاته اعتقد اني وصلت إلى السؤال الأكثر إثارة حول المانجا وهو إلى أي مدى تتحكم السياسة في المانجا؟
من أجل التطرق لهذه النقطة أعتقد أنه من المفيد ذكر أعمال الباحثة شارون كينسيلا Sharon Kinsella التي ذكرتها سابقا وهي تتبع نفس أفكار مات ثورن وأزوما لما تقول أن المانجا هي نتاج ما بعد الحرب مثلما هو موجود في مقالها "ترويض المانجا: ثقافة اليابان في نهاية القرن"، وتدخل مقاربة مثيرة بين المانجا والموسيقى الشعبية في الثقافة الأنجلوأمريكية، إذ كما هي الموسيقى الشعبية فإن المانجا لديها جزء من أصلها الجمالي في الثقافة الشعبية لما قبل الحرب لكنها تطورت من رواد في هذا المجال الذي وضعوا أسس شكل المانجا القصصية في سنوات الستينات والتي هي الشكل الحالي للمانجا.

"بخصوص الجيش الأحمر الياباني هناك طرفة مثيرة للاهتمامإذ أنه أثناء قرصنة طائرة يودو المحولة نحو كوريا الشمالية في مارس 1970 فإن المنظمة تنشر بيانا تختمه بتوقيع في الأخير يقول :نحن أشيتا نو جو". جوليان بوفارد
في 23 مارس 1970 في طوكيو تجمع نحو 700 شخص من أجل حضور جنازة امام مقر دار النشر كودانشا ، لقد تجمعوا من اجل مراسيم التعزية للملاكم الميت ريكيشي تورو الذي مات أثناء نزال ضد خصمه وصديقة جو يابوكي وكلاهما شخصيتان خياليتان من مانجا أشيتا نو جو، تاراياما شوجي Terayama Shûji شاعر ومسرحي ومخرج أفلام من الموجة الجديدة اليابانية حاضر وهو من يتلوا البينية والتي أقتبس منها هذه الكلمات "نحن سعيدون لأنه في حياته ريكيشي تورو عاش إلى غاية حدود قوته قبل أن يختفي مثل شعاع ضوء القمر"، وبمرورهم أمام صورة الملاكم الجمهور جميعه يصلي من أجل ذاكرة ملاكم معروف ومحبوب من اليابانيين جميعهم.
تورو ريكيشي مات في الصفحة 70 من مانجا صدرت في عدد من مجلة Shônen Magazine وهو احد الشخصيات الرئيسة في مانجا أشيتا نو جو والتي هي مانجا شهيرة في أسلوب الجيكيغا التي تروي مسار يابوكي جو الذي ينتمي إلى الطبقة الفقرية ويحاول أن يصبح ملاكما محترفا، هذه القصة التي تبدو أمرا ثانويا بالنسبة لنا تظهر لنا أهمية وقوة المانجا في المجتمع الياباني إذ انها تحتل منذ نهاية الحرب العالمية مكانة أساسية في الثقافة اليابانية
في خارج اليابان حتى إن كانت مكانة المانجا في تطور إلا أن المنشورات حول الأمر لا يتعد مقدمات أو تحليل لعنوان منها، وأنا هنا سأقدم لكم قصة غير معروفة كثيرا وهي مانجا خلال سنوات الستينات والتي يمكن القول انها غيرت مسار المانجا بصفة خاصة والمجتمع الياباني ككل بصفة عامة، وحديثي سيكون حول إعطائكم نظرة حول الرهانات التي كانت تواجه المانجا في سنوات الستينات كل هذا مع دراسة الإشكالية في بيئة ثقافية واجتماعية وسياسية، هذا يبدو دون شك أمر لا يصدق، إذ ما هي العلاقة بين منتج يعتبر مجرد شيء للتسلية مع الدوائر الاجتماعية أو السياسية؟
البداية علينا العودة إلى أصل "مانجات الجملة" التي تحدد بتغير كبير في طرق النشر، وأيضا ظهور أسلوب الجيكيغا يجعلنا نتساءل عن الوجهة التي ستأخذها المانجا في سنوات الستينات، هذه الوجهة نحو البالغين عجلت بظهور مواضيع كانت غائبة إلى ذلك الحين مثل السياسة والمشاكل الاجتماعية وهذا أمر يجعلنا ننظر إلى المانجا كبيئة معارضة للواقع المعاش، ثم نتحدث أكثر عن موضوع الرقابة التي تبقى إشكالية معاصرة للمنتوجات الثقافية ومن بينها المانجا.
في نوات الستينات نعيش ميلاد جديد للحركة الثقافية وهي ظاهرة مرتبطة بشكل وثيق بالتمدين المستمر للشعب الياباني، عذ أن حركة تحويل الأرياف إلى مدن ليس شيئا جديدا لكن ازداد بشكل كبير خاصة في ستة مدن التي في سنة 1955 تضاعف عدد سكانها بالنصف 50 % وبلغت المليون نسمة فطوكيو أصبح عدد سكانها 7 ملايين نسمة أي انها ضاعفت عدد سكانها في مدة عشر سنوات، والحياة في المدينة تثير في الغالب لدى الشباب العامل قطيعة كبيرة مع أسلوب العيش الذي ألفوه عند ابائهم، فقساوة العمل وصعوبة إيجاد مسكن لائق هي من اكبر مشاكلهم في الغالب، لكن بالمقابل يمكنه البدء في شراء أو بالأحرى إستهلاك كما يقال المنتجات الجديدة وأيضا الإستفادة بأكبر عدد ممكن من التسلية الممنوحة لهم من هذا المجتمع الياباني الجديد، إنه ظهور المجتمع المستهلك.
وكما يقول المؤرخ باسكال أوري Pascal Ory في كتابه "التاريخ الثقافي": "الثقافة هي في البداية مسألة إقتصادية" فبدون تطور صناعة النشر والطبع فإن انطلاق المانجا في اليابان لم يكن لير النور، ولنر قليلا أشكال الثقافة الشعبية المرتبطة بالمانجا فالأكاهون (الكتاب الأحمر) هي مجموعات بثمن زهيد تنشر المانجا الموجهة للأطفال الصغار ونجاحهم كما سبق وأسلفت كان بفضل نشر مانجات كتاب شهيرون في بدايتهم أمثال أوسامو تيزوكا رائد المانجا القصصية.
في الستينات استمرت عملية ثقافية مثيرة للاهتمام أيضا متعلقة بالمانجا هي الكاميشيباي kamishibai "紙芝居" أو المسرح الورقي التي ذكرتها سابقا ومن نهاية الحرب إلى بداية الستينات يقدر عدد من حضر تلك العروض بنحو خمسة ملايين شخص في اليوم، وهو نوع متعلق بشدة بالمانجا إذ أن بعض رساميها يتحولون فيما بعد إلى مانجاكا، وأيضا لدينا مكتبات الكراء التي ذكرتها سلفا التي كان عددها في منتصف الستينات يساوي عدد محلات كراء الألعاب في اليابان اليوم، لكن في سنوات الستينات فإن المانجا ستعرف تغيرا عميقا من نظام الكراء إلى نظام المجلات الأسبوعية الذي مازال مستمرا لحد اليوم، والتي بدأت في سنة 1959 مع ظهور أول مجلتين في المجال هما Shônen Magazine لدار النشر كودانشا ومجلة Shônen Sunday لدار النشر شوغوكاكون ليتبعهما أربع سنوات من بعد مجلة Shônen King من دار النشر شونين غاهوشا، هؤلاء الثلاثة سيعلنون حربا شرسة فيما بينه لتصدر الميدان طيلة الستينات لتفوز بالحرب مجلة كودانشا ببلوغها الرقم الرمزي مليون نسخة مبيعة في الأسبوع في سنة 1966، ثم تلحق بهد سنة 1968 إحدى أشهر المجلات في العالم في مجال المانجا هي Shônen Jump لدار النشر شويشا.
في تاريخ المانجا ظهور الأسبوعيات ليس أمرا بلا معنى، إذ أنه دليل للتغير العميق الي لحق بأسلوب النشر، وحتى إن كانت المجلات الأسبوعية لن تلغي المجلات الشهرية التي لازالت مستمرة في النشر لحد اليوم لكنها ستأخذ المراتب الأولى في المبيعات أمام كل الأشكال الأخرى، مما يؤدي إلى اختفاء العديد من أساليب بيع المانجا أمثال الكاشيبونيا كما ذكرت سابقا، تغير المجلات هو أيضا تأثر بالتغيير بداية بالشونين ماجازين التي فصلت الآن بين كتاب النصوص والرسامين، هؤلاء الرسامون الذين عليه التكيف مع هذا التغيير الكبير إذ يطلب منهم تقديم في أسبوع ما كان يأخذ منهم شهرا في السابق وهذا الأمر سيؤدي إلى اختفاء العديد منهم الذين لم يستطيعوا التكيف مع هذا الإيقاع في العمل، فحياة المانجاكا تغيرت كلية فبعد أن كانت حياة شبه متشردة فإن الفنانين أصبحوا في بضع سنين مثل بقية العمال أي تقديم أكبر قدر من إنتاجاتهم في أقصر وقت ممكن، في هذا الزمن تأسس هيكل الإنتاج للمانجا الحديثة.
ثم ظهرت الجيكيغا من تاتسومي إستعمل هذا المصطلح اول مرة في إحدى مانجاته التي تسمى "سيارة الأجرة الشبح" الصادرة في مجلة الكاشيبونيا Kage منذ سنوات، تاتسومي باختراعه هذا المصطلح أراد التفريق به بين المانجا التي هي في الأصل موجهة للأطفال والتي في أغلبها كوميدية بأسلوب بسيط اما الجيكيغا فهي موجهة في الأساس للبالغين وجادة بعدد صفحات أكثر وأسلوب رسم واقعي يقترب للسينما وتعالج مواضيع مستبعدة من المانجات التقليدية أمثال الرعب والجرائم، إنها بداية المانجا الموجهة للبالغين في اليابان، ربما تتساءلون عن سبب إعطاء اسم لهذه النوع من الكتابات، والإجابة انه منذ منتصف الخمسينات تصادم وقع بين هذين النوعين من الإنتاج فالأولى تلك الخاصة بالمانجا المهيمن عليها الأسلوب الديزني بالأعين الكبيرة والرسومات البسيطة والتي يعتبر أفضل ممثل لها هو أوسامو تيزوكا وهي موجهة في الأساس للأطفال، وفي الجانب الآخر من اليابان في منطقة كانساي لدينا حركة الجيكيغا تقدم لنا إذابة لذلك النوع المبسط لأسلوب أصبح يسمى أسلوب تيزوكا، وهي مجموعة تجمعت في جانفي 1958 لموافقتها لفكرة الجيكيغا وسمو انفسهم الجيكيغا كوبو Gekiga kôbô "劇画工房" أي "مصنع الجيكيغا" والذي جمعت العديد من مشاهير الأسماء وقد ذكرتهم سابقا، وعن طريق شهادة الميلاد هذه فإن الجيكيغاكا يريدون إيصال أصواتهم بخصوص مانجا البالغين وبشاركون في تيار فني يظنون انه مستقبل المانجا وأيضا من أجل مواجهة مجموعة تيزوكا والبرهنة على أن هذا الفن ليس موجه لفئة الأطفال فقط، نوعا ما هم سيضعون أسس علاقة قوة التي ستتواجه فيها مجموعة تيزوكا مع مجموعة الجيغيكا كوبو، علاقة قوة التي ستحدد تطور المانجا المستقبلي.
وبخصوص المانجات السياسية فهي لم تظهر في الستينات بل هي أقدم من ذلك إذ نجدها أحيانا في جرائد المعرضة في سنوات العشرينات لكن بالأساس على شكل كوميك comic-strip.

في سنوات الستينات المانجا بفضل تيار الجيكيغا أصبحت تقدم أعمالا للبالغين أو على الأقل يمكنه أن تتوجه إلى جمهور المراهقين أو الشباب ومن اجل أصبحت تعالج المواضيع والتي تهم الشباب، ومنها المواضيع السياسية التي كانت تشهدها اليابان في الستينات، ولبعض الجيكيغاكا فإن الجيكيغا ستصبح سلاح سياسي وفكري ومذهبي وبشكل خاص سلاح التيار اليساري ومن يتبعونهم وكما فعلت سينما الموجة الجديدة في نفس الفترة فإن الجيكيغا كان لها صدى لدى الحركات الطلابية في الستينات، إذ على غرار الغرب الذي شهد ثورات الطلاب في ماي 1968فإن اليابان لم تخرج على القاعدة لكنها ستتأخر إلى سنة 1969.

هذه الحركات ستتركز حول عدة مواضيع أولها محاربة الإمبريالية الامريكية الممثلة بمعاهدة الأمن النيبوأمريكية "AMPO 安保" متجددة كل عشر سنوات، ضد تجديد هذه المعاهدة إحدى المنظمات ظهرت بشكل خاصة ضدها هي الزانغاكوران Zengakuren "全学連" وهي نقابة طلابية قوية جدا في ذلك الوقت لكنها ستنقسم شيئا فشيئا إلى عدة أجزاء مختلفة يمكن ملاحظتها بالكتابات التي تحملها خوذاتهم وقبعاتهم التي يستعملونها أثناء المظاهرات، لكن هذه الزمرات ستتجمع كلها تحت نقابة مختلطة الزانكيوتو Zenkyôtô "全共闘" والتي ستنظم خاصة في سنة 1969 الهجوم واحتلال جامعة طوكيو، وهذه المنظمات في أغلبها كما قلت تنتمي إلى التيار اليساري وتتبنى الأفكار الماركسية أو التروتسكية والماوية والفوضوية وغيرها من الأفكار وتحارب من أجل التغير الجذري للمجتمع.

تجديد معاهدة AMPO في سنة 1970 والقمع من الشرطة وإنتهاء مظاهرات الطلاب كانت نتيجتها نهاية هذه الحركة الطلابية الكبيرة التي كانت في أساسها ضد الأمبريالية وضد الحرب وثورية.
لكن في هذه الفترة بالضبط ظهرت حركة جديدة متميزة بخوذاتها الحمراء التي تحمل حرفا الكانجي "赤" الذي تعني أحمر والكانجي "軍" الذي يعني جيش، إنه ميلاد الجيش الاحمر الياباني "日本赤軍"، أصالة هذه الحركة والشيء الذي تتميز به عن باقي الحركات اليسارية المتطرفة هو اختيارها لاستراتيجية العنف العسكري والإرهاب، فبعد تحويل طائرة يودو وقضية اكواخ أساما فإن الجيش الأحمر فقد مصداقيته لدى الشعب وتدويل حركتهم في الخارج سارع من هذا الأمر، وكما قلت في بداية هذا الجزء فإن الجيش الاحمر لما خطف الطائرة وقع بيانه بقوله "نحن اشيتا نو جو" "我々は明日のジョーである " التي هي مانجا شهيرة في تلك الفترة، تتساءلون لماذا حركة إرهابية تستعمل مانجا كمصدر في بيانها ذي الطبيعة الإرهابية؟ هذا يبدو سخيف لكن باستعمالهم ذلك فإنهم يستعملون المصدر الثقافي للجيل الثوري في سنوات الستينات الذي بالنسبة لهم قراءة المانجا والصراع السياسي يعد شيئان مرتبطان.
التعابير في تلك الفترة توضح أفضل كما تبرهنه هذه العبارة المستعملة من طلبة طوكيو في نهاية الستينات إذ رفعوا شعارا يقول "في يدنا اليمنى لدينا جريدة أساشي وفي يدنا الشمال لدينا مجلة الشونين" فإن كانت عبارة نحن اشيتا نو جو تلك غير مفهومة لدي الخارج بسبب عدم معرفته بحيثياتها ومصدرها فإن الشعب الياباني فهمها مباشرة لأنها تمثل صراع الطبقة الفقيرة من اجل لقمة العيش وهذه العبارات توضح بشكل جلي العلاقة المانجا بالسياسة وخاصة الجيكيغا الذين يمثلون اليسار في ذلك الوقت وصراعهم ضد الصحف اليومية الكبرى اليابانية التي كانت تعتبر محافظة وفي يد السلطة.
فسنوات الستينات كانت سنوات الإنخراط السياسي لجزء معتبر من الشباب الياباني وإذا كانت الثقافة هي منتوج عصرها فإننا سنجد مواضيع وأراء تعكس وجهات النظر الثورية الطلابية في المانجا التي صدرت في تلك الفترة، في البداية هي مجلة غارو التي صدرت لأول مرة سنة 1964 من ناشر مانجات الإستعارة سيريندو والتي تعتبر مجلة سابقة لعصرها فإنها تمنح مساحة حرية كبيرة من أجل صنع المانجا فمؤسسها ناجاي كاتسويشي أراد أن يمنح للفنانين الذين لا يوافقون متطلبات الناشرين الكبار مجلة شهرية لطرح أعمالهم التجريبية أو الفنية، ففيها ظهرت قصص الجيداجيكي (القصص التاريخية) مثل Ninja Bugeichô ، وهناك سببين للحديث عن هذه المانجا كمانجا للبالغين بداية لأنها تحوي الكثير من العنف لكن أيضا لنها تحوي حوارات متعلقة بتاريخ اليابان في القرن السادس عشر وإستخدام نقد ذلك الوقت كمعيار ماركسي من أجل نقد الوضع الحالي والحديث عن المادية التاريخية فشيراتو سامباي يركز على الصراع الطبقي بين الفلاحين والملاك الذين ينتمون للنظام الإقطاعي، ويمكن أيضا أن أذكر مانجا Kamui-Den الصادرة ما بين 1964 و1971 في نفس المجلة الذي تروي مغامرات فتى يدعى آينو الذي يحارب الفقر والإضطهاد.
مثال آخر لمانجا سياسية هي "Hikaru no Kaze" رياح الغضب تأليف ياماغامي تاتسوهيكو Yamagami Tatsuhiko الصادرة سنة 1970 في مجلة الشونين جامب المجلة الشهيرة، المانجا تروي قصة شاب مريض يكتشف سر دولة يتعلق بالجيش الياباني وجيش الاحتلال الأمريكي، هذه المانجا هي حقا نقد لاذع للأمبريالية مساعدة اليابان في حرب الفيتنام.
خلال هذه العشرية لسنوات الستينات ظهر ما يمكن القول أنه إنفجار مانجاوي حول الحرب العالمية الثانية ومن بين الإصدارات هناك مانجا Shidenkai no Taka المنشورة ما بين 1963 و1965 من رسم شيبا تاتسويا التي قدمت لنا نظرة جارحة ومؤلمة حول ظاهرة الكاميكاز، وحتى إن لم يكن موضوع المانجا سياسيا بطريقة مباشرة فإن أبطال القصص للعديد من المانجات هم شخصيات ثائرة ومتمردة التي تقاتل ضد الظلم إلى حد الموت أحيانا.
بصفة عامة نلاحظ أنه في هذا العصر بدأت المانجات تتحدث عن مواضيع أكثر بلوغا مثل السياسة وبالتالي لحظة انفصال الخيال عن الواقع بدا تتجه للاقتراب بشكل سريع وفي هذا الجانب لم يعد مفاجئا رؤية مانجات تتحدث عن قصص يومية عادية اكثر من السابق، إنه في نهاية سنوات الستينات ظهرت مانجات السير الذاتية في اليابان وفي المانجا يتحدث المانجاكا عن يومياته أو يوميات شخصية أخرى وبالتالي يمكن رؤية كيف هو المجتمع الياباني في ذلك الوقت.
الجدال حول مسألة الرقابة
ما بين 1967 و 1973 شهدت اليابان حملة ضد الجيكيغا والتي سميت جيكيغا رونسو "劇が論争"، الإشكالية حول الجيكيغا ظهرت بشكل خاص للعلن منذ ان بدأ الجيكيجاكا بنشر أعمالهم في المجلات الأسبوعية الشهيرة فبدأ البعض بالاعتراض عن نشر مشاهد العنف في تلك السلسلات، في سنة 1968 كان هدف تلك الهجومات هي مانجا Akatsuki Sentôtai التي كانت تصدر في مجلة Shônen Sunday والتي كانت تصف الحرب بطريقة واقعية جدا، ثلاث سنوات من بعد تحولت اسهم النقد إلى السلسلة الشهيرة أشيتا نو جو التي تم وصفها بالسلسلة الفاحشة والمخلة بالحياء "わいせつ" من طرف جمعيات الآباء والشكاوي ساهمت في تسريع نهاية المانجا من طرف المجلة وهي في ذروة الشهرة.
لكن أكثر مانجا تعرضت لسهام النقد من رسم ناجاي غو Nagai Gô المسماة "Harenchi Gakuen" "ハレンチ学園" المدرسة الوقحة التي نشرت ما بين 1968 و1972 في الشونين جامب والتي قرعت ناقوس بداية الحرب ضد المانجات الحديثة التي اتهمت بإدخال قيم الانحلال الخلقي والإباحية في المانجا إذ ان هذه الأخيرة تدور في مدرسة بدون اخلاق على غير ما يريده قادة جمعيات العائلات اليابانية إذ لا هم لمرتاديها من طلبة ومعلمين بطلب العلم بل هدفهم أمورا غير أخلاقية حتى وإن كانت من باب الفكاهة إلا انها تجاوزت الحد وخلقت جدالا كبيرا ما جعلها تمنع من البيع للقاصرين والأطفال في العديد من المقاطعات اليابانية رغم صدورها في مجلة موجهة لهم بالأساس، فإذا كانت الحركات المضادة للمانجا السابقة تحاول ان تعتبر المانجا في مجملها مصدرا للتأثيرات السلبية والسيئة بالنسبة للشباب فإن هذه المجادلات الحديثة ضد الجيكيغا تحاول أن تحدد عناصر بذاتها لنقدها أمثال الإباحية والعنف وتهاجم هذه المرة اعمالا بذاتها وعناوين محددة، وعمل هذه الجمعيات هو موجه بالأساس للضغط على ناشري المجلات التي يعرضون مانجات تعتبر مؤذية وضارة، هذا الجدال حول المانجا حدث في الوقت التي أصبحت فيه وسائل الإعلام جزءا مهما في الحياة اليومية لليابانيين ودخلت هي أيضا في معمعة النقاش فازدياد أهمية المانجا في المجتمع زادت من مخاوف طبقة كبار اسن الذين يرون فيها شيئا مضرا لمستقبل البلد، وبينما كانت تخيف طبقة المحافظين فإنها حصلت على مدافعين عنها ومساندين لها في طبقة المثقفين خاصة الرواد في المجال أمثال الشاعر تيراياما شوجي Terayama Shûji والمخرج أوشيما ناغيسا Oshima Nagisa ويرهم الكثير.
هذا الجدال أُطلق خاصة من طرف رابطة الآباء والمعلمين (تقريبا جمعية أولياء التلاميذ عندنا) المعروفة إختصاراピー‐ティー‐エー【PTA】 للجملة 《Parent-Teacher Association》父母と教師のبالضغط المحلي على المحافظات والمقاطعات من أجل الحصول على منع بيع بعض المانجات التي يرون أنها مضرة بالشباب، ويبنون أراءهم حول ما تحويه من عنف أو إباحية تلك المانجات، من هنا فإن تطور المانجات نحو جانب أكثر بلوغا لا من حيث الشكل او المحتوى جلبت لنفسها سهام النقد والمشاكل لبعض من الجمهور الياباني، مع العلم أنه في هذا العصر كانت قراءة المانجا شيئا ممنوعا في العديد من العائلات اليابانية.
كما يجب تحديد أنه خلال تلك الفترة التي اهتممت بها المانجا كشكل من أشكال الإعلام والاتصال كانت تعد من الثقافات الجانبية أو ثقافات الظل أو السرية ومن هنا نعلم ان المانجا لم تكن حصلت بعد على اعتراف المجتمع بها كثقافة شعبية مقبولة لذا كانت ظلت على هامش الثقافة اليابانية الكلاسيكية حتى ان قراءتها كانت تعتبر شيئا مضرا مما جعلها تعتبر منتجا تخريبيا على شاكلة موسيقى الروك في نفس الوقت، هذه الوضعية يمكن أيضا تحديدها بنوع قرائها الذين تغيروا خلال تلك الفترة إذ انه ابتداء من سنوات الستينات ظهر مصطلح الطالب قارئ المانجا إذ انهم أصبحوا يكونون عددا معتبرا من قراء المانجا في المجتمع حتى ولو كانت فئة الأطفال هي الأكبر لكن هذا لم يمنعها من التطور بين الطلاب والبالغين الذين بلغوا مرحلة الدراسات الجامعية وكانوا سببا في انتشار ثقافة المانجا في المجتمع لاحقا.
الانتشار الكبير للثقافة التي كانت تحلم بالقيام بثورة جعلها في مركز الانقلاب التي ستعرفها المانجا في العشرية القادمة ثم يجب الانتباه انه منذ عشرات السنين يمكننا ان نحس بشيء من الحنين إلى مانجات سنوات الستينات التي كانت تتمتع بحرية لا مثيل لها إذ انه منذ الأزمة التي عصفت بصناعة المانجا منذ سنة 1996 فإن محترفي المجال قاموا بما يشبه العودة إلى الوراء بإعادة طبع المانجات القديمة في نسخ رائعة بجودة عالية مانجات أصبحت من الكلاسيكيات ودخلت التراث الثقافي الياباني وهي أيضا حنين لجيل بأكمله عايش تلك المانجا فترة صدورها والذين عايشوا أيضا التغيرات التي طرأت على المجتمع، ونقد المانجا كان سجينا هو أيضا لهذا الحنين البلاغي ولحوارات العصر الذهبي الذي لم يسمح لهم بفهم التطورات التي طرأت على عالم المانجا الحديثة.
لكن إن نظرنا لأبعد من هذا نجد شارون كينسيلا تناقش وجهة نظر مثيرة حول العلاقة بين المانجا والسياسة: "في سنوات الثمانينات العلاقة الصعبة بين المانجا والمجتمع الياباني بدأت بالتغير، هذا المقال يدرس كيف بعد عدة عشريات في أرضية غير مرحبة بها وبشكل وحيد استطاعت المانجا أن تصبح الخادم الوفي والصامت للمتاحف والمؤسسات".
الباحثة ذكرت أيضا حركة الاستيعاب الثقافي والرقابة خاصة عن طريق تنظيم مهم في سنوات التسعينات من القرن الماضي من الحكومة، وهذا التنظيم سيزداد مع حركة الرقابة التي هي متناسبة مع حالة "التصدير الثقافي" التي أعطيت للمانجا، وهكذا فإن الحكومة والمؤسسات رأت في المانجا نقالا فعالا لرسائلهم لدرجة نجد أن الوزراء والمدراء لا يتحرجون في ذكر ميولاتهم المانجاوية كما فعل الوزير الأول السابق لليابان تارو أسو Taro Aso لما ذكر أنه يقرأ ما بين 10 و20 مانجا في الأسبوع في حوار اجري معه سنة 2003، وتشير الباحثة إلى تحول الطاقة الإبداعية للفنانين والقراء نحو المنتجين واللوبيات عن طريق وجود اتجاه نحو عقلنة المانجا.
في هذا التحليل يمكن أن ندحض ونفند عنصرين تم ذكرهما، الأول أن المقال يبدو موجها لنوع السينين وليس لجميع إنتاجات المانجا والآخر هو انه من الصعب أن ننسب النفوذ السياسي لفترة ما بعد الحرب لما نتحدث عن التاريخ الكامل خاصة فترة ما بعد 1900 في الحرب اليابانية ضد الصين فكرويا ثم روسيا إلى غاية نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن إشكال الرقابة ليس شيئا سهل التطرق له والسبب الأول لذلك هو ان إجابات الكتاب تختلف من واحد لآخر حول الموضوع:
مقابلة مع مؤسس الجيكيغا يوشيهيرو تاتسومي سنة 2005:
نيكولا تريسبالاي:"إنك تذهب أحيان بعيدا في الدنائة فهل تعرضت يوما لمشكلة الرقابة؟"
يوشيهيرو تاتسومي: "لا، لم اتعرض أبدا لهذا المشكل، أنا أضع بنفسي حدودا خاصة بي".
مقابلة مع كاتب سول إيتر أتسوشي أوهكوبو سنة 2008 إذا سئل "في الأنمي بعض المشاهد هي أقل جرأة منها في المانجا، ما رأيك في الامر؟" فأجاب "هي ببساطة قيود رقابة التلفزيون، قيود فنية لا يمكن أن نخرقها" مع اعلم ان هذه الإجابة متعلقة بالأنميات وليس المانجا.
ثم من المؤكد أنه منذ نهاية سنوات التسعينات القمع لحرية الصحافة لم تتوقف عن الزيادة إذ انتقلت من المؤشر 4.5 في سنة 2002 إلى 13.92 سنة 2008 مع العلم أن السلم مقسم على 100 درجة، وقبل التفكير بعيدا يجب العلم ان هذه الإحصائيات لقمع الحريات تزداد دون توقف في معظم بلدان العالم مثلا في فرنسا ارتفعت من 3.25 سنة 2002 إلى 13.4 سنة 2010 وتجدون الإحصائيات هنا
إيتيان باريل أيضا تحدث عن الرقابة بالإشارة كيف أن بعض كبار الناشرين يضعون حدودا للإثارة بأنفسهم تحت ضغط الجمعيات وبعض السياسيين عكس صغار الناشرين الذين لا يهتمون بالأمر كثيرا بحثا عن الشهرة، ويشير في هذا الصدد أنه "من خلال الضغوط التي يتعرضون لها من اجل حذف العنف والإباحية من أعمالهم فإن الرسامين قلقون من أن قد تأخذ الرقابة شكلا جديدا آخر".
ربما تتساءلون لما تحدثت عن هذه المرحلة بالضبط وهي بعيدة عنا، السبب أنها كانت بداية الرقابة الكبيرة على المانجا فمثلا أثناء حرب الفيتنام الطلاب كانوا يتظاهرون ضد الإرهاب الذي كان يمارسه الجيش الأحمر الياباني و ضد الحرب كانوا يحملون على راياتهم صور جو من مانجا أشيتا نو جو كرمز للمقاومة والاستقلال هذه الحركة كان من نتائجها توقف المانجا بالضغوطات التي مارستها الحكومة على دار النشر التي كانت اول مرة ترى في العلن ما أدى إلى توقفها في سنة 1973، رغم ذلك فهذا الأمر لم يكن جديدا فالحكومة اليابانية استغلت سابقا المانجا لتمرير رسائلها واستعمالها كوسيلة للدعاية خاصة في الفترة ما قبل الحرب وأثناء الحرب العالمية الثانية، وهذا الامر فتح الباب أمام الحكومة للتدخل بشكل أو بآخر في الرقابة على المانجا وهو ما تقوم به حاليا عبر جمعيات الآباء التي ذكرتها.
ما الذي يمكن أن نخلص له؟ يبدو لي واضحا تماما أن مثل جميع وسائل الإعلام الأخرى في العالم فإن المانجا تخضع بشكل متزايد للضغوط الخارجية سواء من الناحية السياسية أو الناحية التجارية، ومن المؤكد أيضا أن كبار الناشرين يعانون من صعوبات اقتصادية لذا من الفائدة لهم أن السياسيين يستخدمون المانجا كوسيلة لتصدير الثقافة اليابانية للخارج تحت تأثير محتواها الداخلي لذا فهي فائدة مشتركة بين الجميع.
لكن من الصعب معرفة بالتدقيقي مقدار تأثير السياسة على عالم المانجا نظرا لصعوبة وجود معطيات موثوقة وحيادية حول الموضوع.
