في جميع حفلات الجامعة التي كنا نقيمها كان مفروضاً علينا أن نقدم في البداية مشهداً قومياً وبعدها ننتقل لمشاهد الكوميديا
وكان هذا المشهد عقدتي التمثيلية لأسباب كثيرة منها عدم إيمان الممثلين بما يقولونه أو للطروحات التي لاتنزل بقبان أو أو وكنت دائماً أرفض المشاركة به
ولأنه إجباري كنت أستعين بعمار جراح (الشقيق الأصغر لمحمد خير الجراح) ليقدم مشهداً قومياً في بداية الحفل ومن ثم نبدأ بمشاهدنا الكوميدية
وكان مشهد عمار نسخة عن المشاهد التي كانت تعرض في مسرح الجامعة في الثمانينيات ونكرره دائماً ولا أحد من الجمهور يتابعه فالجميع مشغول بالمقاعد وبالبحث عن الصبايا وتحديد مواقعهم بدقة وفحوى المشهد:
أم ختيارة تحيك الصوف يدخل عليها إبنها وهو يرتدي الكوفية ليقول لها بدون مقدمات أنا رايح ع الجنوب تحرر لبنان
فتقول له : الله معك يا ابني
يخرج الفتي بعد أن يقبل يد زميله الخنشور المتنكر بزي إمرأة ختيارة وتنزل أغنية يا أمي أنا رايح ع الجنوب
وخلال عشر ثواني يعود الفتى البطل محملاً على الأكتاف فتزغرد الأم وتدور الجنازة حول الأم والشهيد البطل محمولاً ولابأس إن فتح عينيه ليشاهد
الجمهور ويعرف رأيهم بأدائه لدور الشهيد وقد يقوم أحياناً برفع الكوفية إلى وجهه بعد أن كادت أن تسقط وهو محمول كل هذا وأغنية مارسيل خليفة (أجمل الأمهات التي انتظرت ابنها وعااااد عاد مستشهداً )تصدح بشكل متقطع لسوء الكاسيت
ثم تعقبها ع السريع أغنية فيروز ( من شهدا الأرض للي ماتوا لألأرض جاي النصر وجاي الحرية )
ويتسمر الممثلون بعد أن يرفعوا شارة النصر بما فيهم الشهيد طبعاً
وينتهي المشهد الكارثي
ولكن إحدى المرات قررت أن أكتب مشهداً عن فلسطين بعد أن شاهدت لقاءً مع أحد المناضلين من عرب ال48كان قد اعتقل يوم الأرض
والمشهد يتحدث عن طبيب فلسطيني مسيحي(أنا لعبت الدور) يأتون إليه بضابط اسرائيلي(عمار جراح) تعرض لنوبه قلبية
وبعد أن يعالجه الطبيب يقول له هل تذكرتني فيكتشف الضابط أنه كان قد حقق مع هذا الطبيب يوم الأرض
ونستحضر لحظات التحقيق وما أن يقول الضابط (أنت ميخائيل عطا الله مسيحي إذن )حتى يسود الصمت الرهيب فوقع المفاجأة على الجمهور كان كبيراً
وعلى أمين الفرع راعي الحفل كان أكبر فهكذا طروحات مرفوضة وممنوعة وتعا تفرج على جماعة المكتب الإداري ووجوههم قد اصفرت واخضرت فزعاً
ولأول مرة بتاريخ حفلات الجامعة يتابع المشهد القومي باهتمام وصمت دون قرقعة المقاعد ودون أصوات تنطلق من هنا ومن هناك تصيح هادا مقعدي أو تنكت على الممثلين
ويستمر المشهد بين ضابط يهودي يحاول استماله الشاب المسيحي بعبارات من شاكله جئناكم لنحميكم من بطش المسلمين ولنحمي مقدسات المسيح
فيجيبه الشاب : بلغة أقرب إلى الشعر نحن أخوة وأنت غريب هل تعلم أن كنيسة المهد حراس أبوابها مسلمون و مفاتيح كنيسة القيامة تتوارثها عائلة مسلمة وهذا ما اتفق عليه المسيحيون
طبعاً ومع كل كلمة (تلتهب الأكف بالتصفيق )ناهيك عن الوصف الشعري لما يجري في السجون الإسرائيلية وتمجيد بطولات الشيخ عز الدين القسام والمطران إيلاريون كبوتشي
إلى أن يقول له : نحن ننظر إليك يا محمد من شبابيك البيعة فقلوبنا في الإنجيل وعيوننا في القرآن
فينتفض الضابط وتنتهي الذكريات ويشهر مسدسه ويطلق رصاصة على الطبيب ويتصل بالقيادة ليعلن أنه تعرض لمحاولة إغتيال وقد استطاع القضاء على الجاني
طبعاً كنت قد اتفقت مع عمار على أن يطلق النار علي من الخلف وطلقة واحده فقط
ولكن عمار فاجأني بطلقتين الأولى بطحتني على الأرض مع الكثير من ضحكات الجمهور والثانية جائت مع عبارة خذ أيها العربي الإرهابي
وحملت معها عباراة سمعتها من الجمهور معناها (إذا هيك المناضلين حررنا فلسطين )
أما ماجرى حقيقة فكان أعن عمار كان يجلس على كرسي وعندما انتفض واقفاً وقع الكرسي على الأرض مصدراً صوتاً يشبه الطلقة فصحت أنا : آه وانبطحت أتلوى
وعلى الرغم من هذه الكوميديا الغير مقصودة إلا أن المشهد كان من أروع ماقدمت على خشبة مسرح الباسل في حلب ولن أنساه ماحييت
ولن أنسى وقع المشهد عند الجمهور لمافيه من تأكيد على وحدتنا الوطنية في مواجهة مايفعله الإسرائيليون والصهيونية العالمية لضرب هذه الوحدة