المكانية وتفكيك النص الأدبي- مدخل نظري ـــ خالد حسين حسين
يُعَد النص بؤرةَ تقاطعٍ مشتركة بين عددٍ من المقارباتِ الحفرية، ورغم تغايرها واختلاف بعضها عن بعضٍ من حيث المرجعياتِ الفلسفية والفكرية، إلاّ أن اشتراكها في موضوع المقاربة-أي النص كهدف استراتيجي لها- جعلها تتداخل وتتناوش فيما بينها أدواتٍ إجرائية متنوعة، تعودُ إلى حقول مختلفة، على صعيد استراتيجيات القراءة وحفرياتها، حتى يُمكن القول بنمو معرفةٍ بينية/ تقاطعية بين هذه الاستراتيجيات الحفرية. فثمة اليوم حوارٌ بين مناهج ورؤى ومداخل القراءات النصية Textual studies. الأمر الذي أخصب من هذه القراءات في الممارسات التطبيقية، وأحكم قبضة المقارب القارئ) أو المفكِّك على عالم الخطاب بقصد التفكيك والقبضُ من ثمّ على لعبة القوانين والقواعد التي يخفيها النصّ كُلَّما تعرّض لفاعليات القراءة، لأن النص- وهذا مسعاه المستمر- هو إخفاءُ قانون تركيبه وقواعد لعبتهِ عن أنظار القارئ، وإن لم يمارسْ هذا الإخفاء فهو ليس بنصٍّ كما يرى جاك دريدا.
من هنا يأتي الخطاب النقدي المعاصر مثالاً بارزاً على التشرّب والاندماج والتقاطع على المستوى المرجعي/ المعرفي والمفهومي، للإحاطة بالنّص من جوانبه كافة، وضرب المواقع الحصينة فيه. ولذلك من الصعوبةِ بمكان الحديث عن قراءة/ قراءات جادة دون ملاحظة إسهامات مختلفة لعلومٍ عدة: اللسانيات والسيمياء وفلسفة التفكيك، وعلمي النفس والاجتماع وأركيولوجيا المعرفة، ...، إلخ في تدشين هذه القراءة، القراءات وتشييد أطرها المعرفية والإجرائية، لأن الانغلاق في حقل منهجي مُغْلَقٌ بوجه إسهامات العلوم الأخرى، سيترتب على ذلك إنتاجُ قراءاتٍ هزيلة على المستوى الحفري. وفي ضوء هذه المعطيات على القارئ/ المُفَكك العمل على تشغيل جهاز مفهوماتي متأسِّس على شبكةٍ متقاطعة من الأدوات التي تنتمي إلى حقولٍ معرفية متنوعة، وهو يتوجه إلى فضاء النص، لكون الأخير يبدو كما لو أنّهُ متاهة غامضة المداخل، ولذلك يتطلب رؤية نقدية مركّبة.
وضمن هذا المسعى الحثيث، تَسْعى الدّراسات المكانية للنَّص، أن تحجزلها موقعاً استراتيجياً في فضاء المقاربات النقدية عبر التواشج مع مرجعيات ومفاهيم أخرى، لتُبلْور من ثمَّ استراتيجية حفرية خاصة بها تحاول من خلالها الاقتراب من النص المرصود للقراءة بقصد تفكيكه، للقبض على انتظامات المكان البنيوية والدّلالية والرمزية، والمعرفية بالآليات التي تتأسس بموجبها هذه الانتظامات. وكذلك الوقوف على النسق التصوري الذي يقود النّاص= المؤلف في كيفيات تأسيسه للمكان الفني. هذه الآلية بمفهوماتها وأدواتها الإجرائية هي ما نطلق عليها اسم المكانية، كاتجاهٍ من اتجاهات القراءة راهناً، في مقاربة النّص الأدبي.
ومن الأهمية بمكانٍ الإشارة إلى أن الاهتمام بالمكان جاء متأخراً، وفي الحقيقة، فقد تواكب تقدّم الدراسات المكانية مع نشاط السيموطيقيا الأدبية واللسانيات لدى الآخر الأوربي، وهذه الانعطافة لم تنحصرْ في مجالِ القراءة النقدية، وإنّما كان أثرُها حاسماً على صعيد استثمار المكان/ الفضاء في التشكيل الإبداعي النّصي. كما هو الحال في الرواية الجديدة في العالم العربي- منذ الستينات وحتى الآن- وقبلها موجة الرواية الجديدة في فرنسا.
وبوسعنا الآن القول: إنّ الدراسة الراهنة تطرحُ المكانية- كمستوى من مستويات القراءة- بوصفها استراتيجية من بين استراتيجيات متعددة في حقل المقاربات النقدية، أي الاعتراف مسبقاً بنسبية القراءة المكانية وحدودها في الكشف عن جانبٍ من جوانب لعبة النّص القائمة على المخاتلة والمراوغة والتملص من حصار القراءة. وبكلام أدّق تَكْمنُ وظيفة "المكانية" في تفكيك النص ومحاولة تفسيره وتأويله من خلال المكوّن المكاني وعلائقه النصية وعَبْرَ مفهوماتٍ متقاطعةٍ متشابكةٍ قادمةٍ من سياقاتٍ معرفية أخرى، لتشكِّل-أي المكانية- بذلك مسطّحاً معرفياً أبستمولوجياً) خاصاً بها، وبذلك تندرجُ "المكانية" في حيّزِّ الخبرة الجمالية بالنص الأدبي. وقبل عرض الأدوات والمفهومات الإجرائية كجهاز مفهوماتي يُمكِّنُ المكانية من التحرّك في جغرافيا النص، ينبغي لفت الانتباه إلى أن هذه الأدوات والمفاهيم معرضة للتغيير والاستبعاد والحذف وإحلال أدواتٍ جديدة محلها، فالنص الأدبي منطقة مقلقة تُغني القراءة وتغتني هي بها، إذ سرعان ما يتفاجأ القارئ/ المتلقي بتشكيلاتٍ جديدة من الأسرار الجمالية والانتظامات المكانية مما يفرضُ تحويلاً على استراتيجية القراءة وأدواتها. وبناء على ما سبق، على المكانية مما يفرضُ تحويلاً على استراتيجية القراءة وأدواتها. وبناء على ما سبق، على "المكانية" أن تسير وفق حركة ارتدادية من الأمام إلى الوراء، وبالعكس، وبالتالي تعريضُ أدواتها الإجرائية للمساءلة والتطوير والتغيير، وتوسيع إمكانياتها في التأويل للحصول على مردود أكثر جودةً.
وهذا الحذرُ واجبٌ وذلك لكي لا تشكِّلُ هذه المفاهيم نوعاً من السلطة/ القوة، تهيمنُ به على القارئ فتحُول دون استنطاق النص بالشكل المطلوب، وتوسيع آفاق القراءة، وحتى-أيضاً- لا تتحوّلُ المكانية إلى رصدٍ روتيني للنص الأدبي.
وتنطلقُ المكانية-بحسب القراءة الراهنة- كمرحلةٍ أولى في تحليلها النصي من النظر إلى "النص الروائي مثلاً" بصفته بنية سيميائية إشارية) تقوم على التعالق النصي بين العناصر المختلفة والمكوِّنة لهذه البنية، فلا قيمةَ لعنصرٍ من عناصر البنية إلا بدخوله واندماجه في البنية العامة للنص، والاشتغال، من هناك، لإنتاج الدلالة. ومن هنا نجد أن "المكانية" تستقرئ المكوِّن المكاني بوصفه عنصراً بنيوياً ووظيفياً في شبكة علاقات النصّ الروائي.
وتأتي المرحلة الثانية من الحفرية النصي وفق التسلسل التالي:
*تحديد البنية العامة للفضاء الروائي في نصٍّ أو مجموعة نصوص مترابطة وتحديد طبيعة هذه البنية: مفتوحة أم مغلقة، أم متداخلة. **مقاربة العلائق النصية بين الفضاء والقُوى النصية: الزمن، الرؤية السردية، الشخصية، الوصف.. ..، والنتائج المترتبة على ذلك بنيوياً فيما يخصُّ التماسك على المستوى النصي ودلالياً فيما يخصُّ سيميائية الأشكال المكانية في سياق النص. ***مقاربة الفضاء الروائي في أشكاله وتجلياته وأبعاده ووظائفه.
ولكن هذا لا يعني الوفاء التّام بهذه الخطاطة في مقاربة النص الروائي مثلاً) وقراءته، فالقراءة كعادتها هي دائماً على موعدٍ لخيانة الخطط والترسيمات التي تُوْضَعُ عادةً، ومن هنا فالالتزام بهذه الترسيمة أمر نسبي، وذلك بحسب قوة النص وحضور الظاهرة المكانية فيه. وفضلاً عن ذلك، على المكانية أن تستثمر حزمةً من المقولات والمفهومات التي تنتمي إلى الحقول البنيوية، السيميائية والتفكيكية Deconstruction من مثل: البنية، القوى الفاعلة، الاختلاف، المربع السيميائي، الرأسمال الرمزي، المعنى الأساسي، المعنى السياقي أو الحافّ...، وغير ذلك من المفهومات الأخرى، هذا فضلاً عن الأدوات المكانية الأساسية التي ستستعرضها القراءة راهناً:
I- التقاطب المكاني: وهو مفهوم استراتيجي، تتكئ إليه "المكانية" لإنجاز هدفها، يمتلك قدرة إجرائية عالية على التوليد والتفريع، وتنبثق أهميتُهُ لكون المكان الثقافي عموماً والروائي خصوصاً ينتظم وفق تقاطبات رئيسية وثانوية، الأمر الذي يُمكِّنُ القارئ من استكناه كيفية اشتغال المكوِّن المكاني في النص الروائي، ومعرفة طبيعة الصراعات بين القوى التي تتحكّم بالمكان، فالتقاطبات: أعلى # أسفل، يمين # يسار، فوق # تحت،....، إلخ تكشفت عن طبيعة الفرز الطبقي الاجتماعي، وعلاقات الهيمنة والإرادة والسلطة التي يخضعُ لها المكانُ في النصّ بوصفه واقعاً له استقلاليته. ولهذا يُعَدُّ مفهوم التقاطب المكاني وسيلة يتم من خلالها إدراك بنية العلاقات السطحية والعميقة في النص، فضلاً عن استجلاء: "العلاقة الثنائية التي تنشأ بين مكانٍ وآخر وما يتولّد عن ذلك من صلاتٍ تربطُ بين وحدات النصّ لتسهم في إنتاج مختلف الدلالات"(1) . وجدير بالذكر أنّ التقاطبات الثنائية مشحونة بحمولةٍ سيميائية ودلالية وإيديولوجية، ومن هنا قدرتها على إنتاج الدلالات المتضادة، ولذلك فهي تأتي: "في شكل ثنائيات ضدية تجمعُ بين قوى أو عناصر متعارضة، بحيثُ تعبِّرُ عن العلاقات والتوترات التي تحدث عند اتصال الراوي أو الشخصيات بأماكن الأحداث"(2) ، واستناداً إلى أهميته في النص والواقع الحياتي، تبرز كفاءته وإجرائيته في استنطاق الفضاءات الأدبية بامتياز. ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أنّ مفهوم التقاطب يستغرق ثنائيات تنتمي إلى حقول متعددة: فيزيائية: أعلى- أسفل/ مساحية: صغير- كبير/ هندسية: دائرة- مستقيم/ حركية: جامد- متحرك/ اتصالية: منفتح- مغلق/ ... إلخ . إنّ التفريع في الواقع لا نهائي، وهو الذي يمنح مفهوم التقاطب هذه الميزة الهامة في عمليات القراءة، وتمييز الأمكنة عن بعضها وعلاقاتها بالقوى والإرادات المهيمنة في النص.
II- الحدّ: وضعه السيميائي الروسي المرموق يوري لوتمان، والحدُّ هو "الخط الأحمر" الذي يفصلُ بين مكانٍ وآخر، وهو يشكِّلُ الإنذار الذي يُحذَّر به مخترقُ المكان أو في نيتِهِ فعلُ الاختراق. ويختلفُ "الحدُّ" باختلاف الأمكنة، وهو كذلك وثيقُ الارتباط بمفهوم التقاطب، يقول لوتمان: "يكتسبُ الحدُّ، بوضعه عنصراً مكانياً، أهمية كبيرة، فيقسم الحدُّ المكان النَّصي إلى شقين متغايرين لا يمكن أنْ يتداخلا. ويتميز الحدُّ بخاصية أساسية هي استحالة اختراقه، وتمثِّلُ الطريقةُ التي يفصلُ بها الحدُّ بين شقي النّص خاصية من خصائص النص الجوهرية"(3) . وللتمثيل لمفهوم الحدّ: تُعَدُ العتبة) بالنسبة للبيت حدّاً، تجري عليها عادةً المفاوضات قبل الدخول إلى البيت، وفي الحكايات الخرافية تُمثّل أطرافُ الغابةِ حدّاً لها. وقد تعددت الحدود في الحياة المعاصرة وتعقدت كثيراً: الجرس، الهاتف، الطريق ممنوع- مسموح)....، الخ.
III- الفضاء التّناصي: ويشير هذا المصطلح إلى تداخل الأمكنة وتفاعلها فيما بينها، وكما يبدو فقد صيغَ استناداً إلى التناص النصي، أي تداخل النصوص المتنوعة والمختلفة في نصٍّ واحد وتقاطعها. إنّ المكان المعاصر، سواء في مستواه الفيزيائي أو على المستوى النصي، يتسم بالتعددية، حيث لم يَعُدْ المكان الفني نصاً مغلقاً Closed Text وإنما مفتوحاً Open Text على أمكنةٍ نصية حاضرة ومتخيلة. إننا في أمكنتنا الثقافية نتواصل ونتفاعل مع أشخاصٍ ينتمون إلى أمكنةٍ مختلفةٍ ومن خلالهم نتواصلُ مع أمكنةٍ غريبةٍ عنا ونتقاطع معها. هذا فضلاً عن الأجهزة المرئية والسمعية التي تعملُ وتفسحُ المجال لأن تُخترق أمكنتنا من قبل أمكنةٍ بعيدةٍ ونائية، تتدفقُ إلى الأمكنةِ التي نعيش فيها، وعلى هذا الأساس فالمكان، يقوم على التعدد والاختلاف.
IV- التشظي: وقد شاع هذا المفهوم مع الفلسفة التفكيكية في تناولها للنص الأدبي وهو يخصّ الدلالة النصية، ووفق هذا المفهوم يبدو النص فضاءً مكثفاً بالدلالات المتنوعة والمتشظية، بها يشتتُ النصُ قارئه في اتجاهاتٍ مختلفة. والنظرُ إلى المكان بحسب هذا المفهوم التفكيكي يخرجه من دلالتِهِ الأحادية إلى دلالاتٍ سياقية متكاثرة ومتشظية، فالمكان يتشكَّلُ من خلال التفاعل مع الكتل البشرية التي تودعه رغباتها وأحاسيسها ومصالحها. ومن هنا تنشأ المعاني والدلالات المتنوعة والمختلفة للمكان، وفي الواقع فكلُّ اتصالٍ بالمكان من قبل القوى الفاعلة هو محاولة لتشكيل معنى من خلاله وبه.
وفي نهاية المطاف، بوسعنا القول: إنّ إسباغ الطابع التفكيكي على "المكانية" يجعل آفاق الاستثمار والحفر النصي مثمراً، وينتقل وفق ذلك إلى فضاء التشتت والاختلاف، ويكتسبُ المكانُ دلالاتٍ حافة عرضية، فهو بقدر ما يبوحُ بدلالاتهِ يتستر على بعضها الآخر. إنّ المكان النصي يتضمن فجواتٍ وانقطاعاتٍ، مناطق لا مفكرَّ فيها، فتأتي المكانيةُ إلى هذه الأرض الملغّمة بالدلالات، وتحفر فيها، لتكشف- وهذا هو هدفها الاستراتيجي- الآليات التي يُنْسَجُ بها المكان من قبل القوى الفاعلة. ومن هنا على المكانية ألا تكتفي بالتوصيف، وإنما تتجاوز ذلك إلى تقويض المكان وتفكيك البديهيات والمعلّمات التي أرسي على أسسها. وكذلك تقويم شعرية المكان في النص الأدبي.
الهوامش:
عبد الوهاب زغدان: المكان في رسالة الغفران أشكاله ووظائفه)، صفاقس: دار صامد للنشر، ط2، 1985، ص16. حسن بحراوي: بنية الشكل الروائي، بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط1، 1990، ص33.
يوري لوتمان: مشكلة المكان الفني، ترجمة: سيزا قاسم درّاز، ضمن كتاب: جماليات المكان: مجموعة مؤلفين، الدار البيضاء: عيون المقالات، ط2، 1988 ص18.